الرقة تحت سيطرة "قسد": شبكة سجون سرية واعتقالات تعسفية وشهادات مروعة عن التعذيب


هذا الخبر بعنوان "اعتقالات بلا مذكرات… سجون “قسد” في الرقة بين التعذيب والوشايات" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
خلال سنوات سيطرة "قسد" على محافظة الرقة، تحولت السجون ومراكز الاحتجاز إلى أدوات رئيسية لفرض السيطرة الأمنية وبسط النفوذ على المجتمع المحلي. وقد كشفت شهادات حصلت عليها "سوريا 24" من معتقلين سابقين وسكان في المدينة أن هذه الاعتقالات طالت شرائح واسعة من المجتمع، بما في ذلك صحفيون وإعلاميون وناشطون مدنيون وطلاب ورجال دين.
تُشير الشهادات إلى أن عمليات الاعتقال غالبًا ما كانت تُنفذ بناءً على بلاغات أو تقارير كيدية، دون إجراءات قانونية واضحة أو مذكرات توقيف صادرة عن جهات قضائية مستقلة. وبحسب هذه الشهادات، كانت عمليات الاعتقال تتم ضمن منظومة أمنية مغلقة تعتمد على توجيه تهم عامة وفضفاضة، مثل "التواصل مع جهات معادية" أو "تهديد الأمن والاستقرار"، بينما لم يُعرض العديد من المعتقلين على أي جهة قضائية مستقلة طوال فترة احتجازهم.
في حزيران/يونيو 2021، اعتقلت قوات "قسد" الإعلامي أحمد الحسن بشكل مفاجئ أثناء مروره بالقرب من مركز ثقافي وسط مدينة الرقة. يروي الحسن لـ "سوريا 24" أنه تعرض للاعتقال حيث تم وضع قناع على رأسه ونقله إلى مكان مجهول، قبل أن يخضع لتحقيقات وصفها بأنها قاسية. ويذكر أن المحققين وجهوا إليه تهم التواصل مع جهات إعلامية معارضة ومنصات إعلامية خارجية، إضافة إلى اتهامات مرتبطة بالدولة التركية، معتبرًا أن اعتقاله جاء بسبب مواقفه الإعلامية وانتقاداته لسياسات "قسد" في المدينة، وليس لأي سبب قانوني واضح.
في تشرين الأول/أكتوبر 2021، اعتقل الصحفي مصطفى العبد بعد عودته من عمله في أحد المكاتب الإعلامية بمدينة الرقة، حيث نُقل إلى سجن عايد في مدينة الطبقة. يقول العبد إنه أمضى نحو تسعين يومًا في الاحتجاز، تعرض خلالها لتعذيب شبه يومي داخل زنازين منفردة وصفها بأنها "مليئة بالعفن والوساخة". وأضاف أن المحققين كانوا يطلبون من المعتقلين تقديم معلومات عن أقاربهم ومعارفهم، مشيرًا إلى أن التهديدات المستمرة دفعته لاحقًا إلى مغادرة البلاد، حيث أقام في السعودية لعدة سنوات قبل أن يعود لاحقًا إلى الرقة.
في كانون الأول/ديسمبر 2021، داهمت قوة تابعة لـ"قسد" منزل فايز الشويخ في الرقة باستخدام عدة سيارات مصفحة، مع إطلاق نار داخل الحي قبل اعتقاله. يروي الشويخ أنه نُقل إلى سجن عايد حيث بقي محتجزًا قرابة عام كامل. ويضيف أن التهمة التي وُجهت إليه كانت "الخيانة والتعامل مع جهات معادية" بسبب إنتاجه مواد إعلامية توثق معاناة سكان الرقة لصالح منصات إعلامية معارضة. وأشار إلى تعرضه لتعذيب جسدي ونفسي شديد داخل السجن، إضافة إلى إصابته بمرض الجرب نتيجة تردي الظروف الصحية داخل الزنازين وتراكم النفايات، وهو ما دفعه لاحقًا إلى اعتزال العمل الإعلامي.
وفقًا لشهادات سكان في الرقة، اعتمدت "قسد" على شبكة واسعة من المخبرين المحليين المنتشرين في الأحياء والقرى. كان هؤلاء المخبرون يرفعون تقارير عن أي نشاط إعلامي أو مدني يُنظر إليه على أنه معارض. يقول عبد الكريم العلي، وهو من سكان المدينة، إن بعض المخبرين كانوا يحصلون على امتيازات مالية أو ميدانية مقابل تزويد الأجهزة الأمنية بالمعلومات، مثل السماح لهم بحمل السلاح علنًا أو ممارسة أعمال تجارية غير قانونية. أسهم هذا النظام في خلق مناخ من الخوف وعدم الثقة بين الأهالي، حيث تحول الاعتقال في كثير من الحالات إلى وسيلة ضغط اجتماعي وأمني أكثر من كونه إجراءً قانونيًا.
مع توسع سيطرة "قسد" على محافظة الرقة منذ عام 2016، أنشأت الميليشيات شبكة واسعة من مراكز الاحتجاز في المدينة وريفها. في شمال المدينة، تحول السجن المركزي الذي كان مستودعًا للحبوب إلى أحد أبرز مراكز الاحتجاز، قبل افتتاح سجن الأقطان عام 2024 قرب المدخل الشمالي للمدينة. كما خُصص سجن الأحداث لاحتجاز بعض الموقوفين الأمنيين، إلى جانب انتشار مراكز توقيف في بلدات الريف مثل حزيمة والكرامة والعكيرشي وحاوي الهوى والمنصورة.
في ريف الرقة الغربي، برزت ثلاثة سجون رئيسية في مدينة الطبقة هي: عايد والكنيسة والاستخبارات، حيث خُصص اثنان منها للقضايا الأمنية بينما استخدم الثالث للمعتقلين الجنائيين. ويرى سكان محليون أن انتشار هذه المراكز في مختلف مناطق المحافظة مكن "قسد" من إحكام السيطرة الأمنية على السكان وتحويل السجون إلى أدوات ضغط وترهيب.
يؤكد المحامي قيس الموسى أن هذه الممارسات تمثل نمطًا من الاعتقال التعسفي خارج أي إطار قانوني مستقل. ويضيف أن توجيه تهم عامة للمعتقلين دون وجود مذكرات توقيف صادرة عن جهة قضائية مستقلة يشكل خرقًا واضحًا للمادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إضافة إلى مخالفته العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين أثناء النزاعات. كما يشير إلى أن بعض حالات الاحتجاز ارتبطت بطلب مبالغ مالية مقابل الإفراج عن المعتقلين، وهو ما قد يرقى إلى جريمة احتجاز مقابل فدية. ويدعو الموسى إلى تشكيل هيئة تحقيق مستقلة لمراجعة ملفات المعتقلين والإفراج عن كل من لم تثبت بحقه تهمة واضحة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
بعد استعادة الحكومة السورية السيطرة على محافظة الرقة منتصف كانون الثاني/يناير الماضي، تسلمت وزارة الداخلية إدارة سجن الأقطان شمال المدينة، وبدأت مراجعة شاملة لأوضاع السجناء وملفاتهم القانونية. كما أعلنت وزارة العدل تشكيل لجان قضائية لدراسة أوضاع جميع المعتقلين والبت فيها وفق الأصول القانونية، مع العمل على تأمين الاحتياجات الأساسية داخل السجون، بما يشمل الغذاء والمياه والرعاية الطبية.
يأمل سكان الرقة أن تمثل هذه الخطوات بداية لطي صفحة الاعتقالات التعسفية التي شهدتها المحافظة خلال السنوات الماضية. ويطالب الأهالي بالإفراج عن كل من تثبت براءته ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يعيد الثقة بالمؤسسات القضائية ويمنح الضحايا فرصة للعودة إلى حياتهم الطبيعية بعد سنوات من الخوف والانتهاكات.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة