تملح التربة والجفاف يهددان خصوبة أراضي الرقة ويدفعان المزارعين للهجرة


هذا الخبر بعنوان "التملّح ينهك التربة.. مزارعو الرقة يخسرون أراضيهم الخصبة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقف علي العناد، البالغ من العمر 50 عامًا، عند حدود أرضه في قرية الهورة بالريف الجنوبي الغربي من الرقة، والتي كانت قبل سنوات قليلة مزدهرة بمحاصيل القمح والشعير، لكنها تحولت اليوم إلى أرض بور بتربة متشققة وقاسية، تغطيها طبقة بيضاء من الأملاح على مساحات واسعة، مما أخرج أجزاء كبيرة منها عن الخدمة الزراعية.
صرح المزارع لعنب بلدي بأن أرضه كانت في السابق كافية لإعالة أسرته وتوفير فائض للبيع، بالإضافة إلى تأمين الأعلاف اللازمة لمواشيه. لكنه خسر خلال السنوات الأخيرة أكثر من نصفها نتيجة الجفاف وارتفاع ملوحة التربة وتراجع مياه الري. وأضاف بحسرة أن المنطقة التي اشتهرت بخصوبتها بدأت تفقد قدرتها على الإنتاج عامًا بعد عام.
في الماضي، كانت أراضي محافظة الرقة تعتمد على مزيج من الزراعة المروية وشبه المروية، مستفيدة من قربها النسبي من نهر الفرات ومن شبكات ري فرعية كانت تغذي الحقول بالمياه. إلا أن تراجع كفاءة هذه الشبكات، بالتوازي مع انخفاض منسوب المياه وازدياد الاعتماد على الآبار الجوفية، أحدث تغييرًا واضحًا في المشهد الزراعي.
أفاد حسين الرجب، وهو مهندس زراعي بريف الرقة الجنوبي، أن المؤشرات الأولى للتدهور ظهرت مع انخفاض إنتاج القمح، ثم تبعتها الخضراوات الصيفية الأكثر حساسية، مما اضطر المزارعين إلى تقليص المساحة المزروعة، بينما تحولت بقية الأراضي إلى مساحات هامشية يصعب استثمارها.
وأضاف المهندس، في حديثه إلى عنب بلدي، أن التملح أصبح أحد أخطر مظاهر التصحر في أرياف الرقة، خاصة في المناطق الأبعد عن مجرى الفرات. وأوضح أن الاستخدام المتزايد لمياه آبار ذات نوعية ضعيفة، إلى جانب ضعف شبكات الصرف الزراعي وارتفاع معدلات التبخر، أدى إلى تراكم الأملاح في التربة.
تظهر في كثير من الأراضي الزراعية البعيدة عن مجرى نهر الفرات بقع بيضاء واضحة تشير إلى التملح، وهو ما يقلل قدرة النباتات على امتصاص الماء والعناصر الغذائية، فتضعف الإنتاجية وتتراجع جودة المحاصيل، وفق ما ذكره المهندس.
إلى جانب التملح، لعب الجفاف دورًا محوريًا في تسارع التصحر، إذ شهدت المنطقة مواسم مطرية ضعيفة ومتذبذبة، ما أثر على الزراعة البعلية وأضعف تجدد الرطوبة في التربة. وأشار مزارعون إلى أن فترات الانحباس المطري أصبحت أطول من السابق، الأمر الذي يرفع معدلات التبخر ويزيد قساوة التربة، خاصة في المناطق الواقعة ضمن الحزام شبه الجاف جنوب الرقة، وجعل هذا التغير المناخي التدريجي كثيرًا من الأراضي على حافة التدهور، خصوصًا مع غياب برامج فعالة للحفاظ على التربة.
لم تبقَ التداعيات في الإطار الزراعي فقط، بل امتدت إلى الجانب الاجتماعي والمعيشي. فمع انخفاض الإنتاج، فقدت عائلات كثيرة في الرصافة جزءًا أساسيًا من دخلها، واضطر بعض المزارعين إلى ترك أراضيهم أو البحث عن أعمال بديلة بأجور يومية.
قال عدي شاهين، البالغ من العمر 50 عامًا، إن أبناءه غادروا الزراعة بعدما فقدت الأرض قدرتها على تأمين الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. وأضاف أن العائلة كانت تعتمد بشكل شبه كامل على مردود الحقول في تغطية نفقاتها السنوية، وأن المواسم الأخيرة حملت خسائر متتالية نتيجة تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف الري والأسمدة، الأمر الذي جعل الاستمرار في الزراعة خيارًا محفوفًا بالمخاطر.
وأضاف عدي أن أبناءه اتجهوا إلى أعمال مياومة في المدينة بحثًا عن دخل أكثر ثباتًا، رغم صعوبة تلك الأعمال وانخفاض أجورها. ويرى أن استمرار تدهور التربة وارتفاع تكاليف الإنتاج يهددان بخروج المزيد من العائلات من القطاع الزراعي، محذرًا من أن فقدان الزراعة كمصدر رزق رئيس سيدفع مزيدًا من الشباب إلى الهجرة الداخلية أو البحث عن أعمال غير مستقرة، ما ينعكس سلبًا على الواقع الاقتصادي والاجتماعي في ريف الرقة.
صرح مدير زراعة الرقة، محمد الخدلي، بأن المديرية تعمل على تنفيذ حزمة من الإجراءات الفنية للحد من تفاقم مشكلة التملح والتصحر في الأراضي الزراعية. وأوضح أن فرق الصيانة والتشغيل باشرت “تعزيل” المصارف الزراعية بهدف تسهيل تصريف مياه الري ومنع ارتفاع منسوب المياه في الحقول، لما لذلك من دور مباشر في تقليل تراكم الأملاح في التربة والحفاظ على خصوبتها.
وأشار الخدلي في تصريح لعنب بلدي، إلى أن المديرية تشدد أيضًا على ضرورة اتباع الدورات الزراعية كإجراء أساسي للحفاظ على توازن التربة وتحسين إنتاجيتها، مبينًا أن التنويع في المحاصيل يسهم في تقليل الإجهاد الواقع على الأرض ويحد من تدهورها على المدى الطويل.
ولفت إلى أنه لا توجد حاليًا مساحات محددة مصنفة رسميًا ضمن الأراضي المتملحة أو المتصحرة، إلا أن معالجة الظاهرة تتم بشكل مستمر عبر “تعزيل” المصارف الزراعية وتحسين عمليات الصرف.
وبيّن مدير الزراعة أن من بين الأولويات الحالية دعم المزارعين ببذار وأسمدة موثوقة المصدر، لما لذلك من أثر مباشر في رفع كفاءة الإنتاج وتقليل الخسائر، مؤكدًا أن المديرية تعمل على توجيه المزارعين نحو اتباع خطة زراعية تقوم على التنوع في المزروعات بدلًا من التركيز على محصولين رئيسين فقط مثل القمح والذرة.
وأضاف أن الخطة تشجع على إدخال محاصيل تسهم في تجديد التربة وتحسين بنيتها، مثل القطن والفول، لما لها من فوائد زراعية واقتصادية.
وكشف الخدلي أنه يجري العمل مستقبلًا على تفعيل دور المصرف الزراعي في محافظة الرقة، بحيث يقدم حزمة دعم متكاملة للمزارعين تشمل توفير الأسمدة والبذار إضافة إلى القروض الحسنة، مشيرًا إلى أن المصارف الزراعية بدأت بالفعل بتقديم هذه الخدمات في عدد من المحافظات الأخرى، ومن المتوقع أن يسهم تفعيلها بالرقة في تخفيف الأعباء المالية عن المزارعين وتعزيز قدرتهم على الاستمرار في العملية الإنتاجية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد