الأساطير في قلب الصراع المعاصر: من عيد المساخر إلى كربلاء، كيف تحرك الرموز القديمة حروب اليوم


هذا الخبر بعنوان "عيد المساخر.. الحرب والأسطورة في عالمنا المعاصر" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
استيقظ العالم صباح السبت الماضي، الموافق 28 من شباط، على نبأ صادم يتعلق بهجوم إسرائيلي-أمريكي مزعوم أودى بحياة المرشد الأعلى في إيران. منذ اللحظات الأولى، بدا جليًا أن حدثًا بهذا الحجم لا يمكن قراءته من منظور عسكري أو سياسي بحت، بل يتجاوز ذلك بكثير، خاصة وأن من يقف وراءه هو نتنياهو واليمين المتطرف الإسرائيلي. لذا، يصبح من الضروري فهم هذا الحدث من زاوية العقلية التي تحكم هذا اليمين وطريقة تفكيره.
لفهم أعمق لهذا الحدث، يكفي النظر إلى توقيته ودلالاته الدينية؛ فالاختيار لم يكن محض صدفة. جاء الهجوم قبل أيام قليلة من عيد المساخر، المعروف أيضًا بعيد البوريم، وهو العيد الذي يحتفل فيه اليهود سنويًا بذكرى انتصارهم على الفرس ونجاتهم من مؤامرة الإبادة التي دبرها الوزير هامان في بلاط الملك الفارسي زركسيس الأول، كما يرويها العهد القديم في سفر إستير. تروي القصة باختصار كيف نجحت إستير، المرأة اليهودية، في إقناع زوجها الملك بكشف مؤامرة هامان، مما أدى إلى انقلاب مسار الأحداث وإعدام الوزير بدلًا من إفناء اليهود. لهذا السبب، يُطلق على هذا العيد أحيانًا اسم “عيد قلب الطاولة”، لأنه يرمز إلى لحظة تحول القدر لصالح الشعب اليهودي.
ربما لا تكون شخصية هامان الفارسي معروفة جيدًا في الوعي العربي، لوجود شخصية أخرى تحمل الاسم نفسه ورد ذكرها في القرآن، وهو الوزير المرتبط بمشاريع البناء والعمران في عهد فرعون موسى. والمفارقة هنا، أن فكرة “قلب الطاولة” تكتسب معنى آخر أيضًا، حين تحول هذه الحادثة مدنًا عُرفت بناطحات سحابها وتطورها العمراني، مثل دبي والدوحة وأبو ظبي، والتي بنت سمعتها لسنوات بوصفها رموزًا للاستقرار والازدهار، إلى عناوين رئيسة في نشرات الأخبار، لكن هذه المرة من بوابات الحرب والتوتر.
لم يغب حضور الأسطورة حتى في رد فعل الجانب الفارسي. ففي الساعات الأولى بعد الهجوم، انتشرت صور لمؤيدين إيرانيين تجمعوا في المقامات الدينية وهم يستعيدون خطاب المأساة الحسينية، مستحضرين حادثة مقتل الحسين في كربلاء بوصفها رمزًا أبديًا للشهادة والظلم. هذا الاستدعاء ليس جديدًا في الثقافة الإيرانية، بل هو امتداد لتقليد طويل من استحضار المآسي المؤسسة للهوية الجماعية. قبل أن تصبح كربلاء مركز هذا الخيال الجمعي، عرف المجتمع الفارسي تقليدًا عريقًا في البكاء على الأبطال المأساويين، مثل قصة مقتل سهراب في الشاهنامة، حيث كان الإيرانيون يقيمون مجالس عزاء وبكائيات حول هذه الحكاية. ومع صعود الدولة الصفوية، اكتسبت مأساة الحسين مكانة مركزية في الهوية الإيرانية الشيعية، إذ وجد فيها الصفويون رمزًا دينيًا قادرًا على توحيد المجتمع وبناء تمايز واضح عن السلطنة العثمانية السنية، وفي الوقت نفسه وسيلة للحفاظ على الروح الفارسية ضمن إطار ديني جديد.
هذه الأساطير والحكايات ليست استثناء يخص منطقتنا وحدها. فكثيرًا ما يعتقد البعض أن التفكير الأسطوري أو الرمزي هو سمة خاصة بالمجتمعات التقليدية أو بما يسمى شعوب العالم الثالث. غير أن نظرة أوسع إلى الرموز السياسية في العالم المعاصر تكشف أنه رغم كل التقدم العلمي والتقني الذي حققته البشرية، فإنها لم تبتعد كثيرًا على المستوى النفسي عن البنى الرمزية القديمة التي رافقت المجتمعات الأولى.
في كتابه الشهير “الطوطم والتابو”، وصف المحلل النفسي سيغموند فرويد كيف كانت القبائل البدائية تمنح حيوانًا معينًا مكانة “الطوطم”، أي الرمز الذي يجسد روح الجماعة ويحميها ويختصر هويتها. وربما نعتقد أن هذا النمط من التفكير قد اختفى مع ظهور الدول الحديثة، لكن الواقع يشير إلى أن الفكرة نفسها ما زالت حاضرة، وإن تغيرت لغتها فقط. فالشعوب المعاصرة ما زالت تختصر هويتها في رموز حيوانية نكررها يوميًا في خطابنا السياسي والثقافي: الدب الروسي، التنين الصيني، الديك الفرنسي، الكنغر الأسترالي، وغيرها من الحيوانات التي أصبحت تمثل صورة الأمة في السياسة المعاصرة.
بهذا المعنى، قد تكون الحداثة قد غيّرت اللغة التي نتحدث بها عن أنفسنا، لكنها لم تغيّر تمامًا البنية النفسية العميقة التي تنظّم علاقة المجتمعات بالرموز والأساطير. فما كان يسمى في الماضي “طوطمًا” أصبح اليوم شعارًا وطنيًا أو استعارة سياسية، لكن وظيفته الرمزية بقيت إلى حد بعيد كما هي: منح الجماعة صورة تختصر قوتها وهويتها، وتربط حاضرها بقصة أقدم منها بكثير.
قبل أسابيع قليلة، سخر السوريون من المحادثات المسربة التي كان يعتقد “النمر” أنه يجريها مع ضابط استخبارات إسرائيلي، حين تحدث عن لقاء “إيليا بعليا”، معتقدًا أن هذه العبارة قد تشجع الطرف الإسرائيلي على التحالف مع العلويين لإنشاء دولة الساحل. هذه الكلمات بدت هزلية وكوميدية، لكن هذا فقط لأن “النمر” لا يحمل الكاريزما، ولا القاموس اللغوي الكافي للتعبير عن هذه الفكرة، لكنها موجودة فعلًا حتى في عقول أشهر السياسيين وفي أكثر الدول تحضرًا.
يبدو أن العالم، رغم كل محاولاته لتقديم نفسه بوصفه عالمًا عقلانيًا تحركه المصالح المادية وحدها، ما زال في العمق محكومًا أيضًا بالأساطير والذاكرة الجماعية. فالحروب لا تحركها الحسابات السياسية فقط، بل تقف خلفها أيضًا قصص قديمة، وصور متوارثة، وسرديات تمنح الصراع معنى يتجاوز حدود الواقع المباشر.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة