الحرب في الذاكرة السورية: شهادات من بعيد وقسوة الواقع


هذا الخبر بعنوان "إنها الحرب يا أبو الشباب" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في بلاد تعاني من الصراعات والانقسامات العميقة، يتحدث البعض عن الحرب وكأنها مجرد لعبة ورق، فيها رابح وخاسر. لكن أولئك الذين تنهال عليهم ويلات الحرب لا يمكن للبعيدين عنها، الذين ينعمون بالراحة والدفء، أن يتخيلوا حجم الأهوال والآلام والمصائب التي تلم بهم.
لقد عشت أجواء حرب 1967 من بعيد. كنا حينها نستعد لامتحان الإعدادية، ووصلتنا عبر الراديو أصوات المارشات والخطب الرنانة والصياح، مع مذيعين بأصوات جهورية يشيدون بانتصاراتنا ويتحدثون عن هزائم العدو. الأهم بالنسبة لنا كطلاب منخرطين في الدراسة كان قرار وزارة التربية بتأجيل الامتحانات إلى إشعار آخر. قيل إن التأجيل جاء خشية أن يقصف العدو الصهيوني الغاشم المدارس. حينها، انطلق عناصر الحرس القومي، الذي تموله القيادة القطرية لحزب "البعث"، يطالبون الناس بطلاء نوافذ بيوتهم باللون الأزرق ويراقبون إطفاء الأنوار، لمنع العدو الغاشم من رؤيتها وقصفها وقتل ساكنيها. هذه الإجراءات لم تكن مضحكة حينها، لكنها أضحكتنا لاحقًا عندما اتضحت الأمور، وأدركنا أنه لم تكن هناك حرب بين طرفين متكافئين، بل كان طرف العدو الغاشم يضرب وطرفنا يهرب. نحن الطلبة، رفعنا كتبنا ودفاترنا وأقلامنا على السقيفة، وقضينا أيام الصيف الجميلة بين أشجار الزيتون، نلعب الطرنيب ونشرب الشاي المغلي على الحطب، ونتحدث قليلًا عن الحرب قبل أن ننتقل إلى المزاح والتنكيت.
أما عن حرب 6 تشرين 1973، فلم نعرف عنها سوى الانتصارات. كنا نستمع يوميًا إلى البيان العسكري الذي يتحدث عن إسقاط طائرات العدو وتدمير آلياته وانسحاباته المذلة. إلى أن جاء يوم تأخر فيه البيان، وبدأنا نسمع عن اختراق الجيش الإسرائيلي للقطاع الشمالي في جبهتنا. حينها، تأججت مشاعرنا القومية عندما علمنا بقدوم قوة مدرعة عراقية شقيقة لنصرتنا. قيل لنا لاحقًا إن هذه القوة مرت بمدينة سراقب، وإن أهل سراقب لم يقصروا، فقد ذبحوا مئات الخراف للجنود العراقيين الأشاوس. بعد فترة انتظار طويلة، صدر البيان العسكري الذي كنا نترقبه، وطمأننا بأن القوة العراقية تصدت لمحاولة الاختراق بالتعاون مع قواتنا الباسلة، وأن الأمور سارت على ما يرام. تأخرنا كثيرًا حتى أدركنا أن صفة "التحريرية" التي أُطلقت على حرب تشرين لا تعني أننا حررنا أراضي خسرناها في حرب حزيران 1967، بل حررنا "إرادة" القتال. لم نسأل حينها عن كيفية احتلال الإرادة التي تحتاج إلى حرب طويلة لتحريرها، ولا عما سنفعله بعد تحرر إرادتنا؛ هل سنعود للحرب ونحرر الأراضي، أم سنكتفي باتفاق فصل القوات الذي وُقِّع عام 1974؟
أما نحن، أهل الشمال السوري، فقد عرفنا الحروب عن بعد لفترة طويلة، لكن بعد آذار 2011، ذقنا مرارتها واكتوينا بنارها. لم يسلم نوع من القذائف والصواريخ ورصاص الـ500 من أن يهطل فوق رؤوسنا. كانت حربًا رهيبة، لم تكن بين الجيوش فحسب، بل امتدت لتشمل البيوت والمدارس والمخيمات. حرب أهلية طاحنة، أحدثت موجات من النازحين والهاربين الذين يركضون متلفتين إلى الخلف، متدافعين على معبر باب الهوى، للدخول إلى تركيا، حيث يلتقطون أنفاسهم ويواصلون طريقهم نحو بلاد الهدوء والحقوق والاحترام.
سوريا محلي
سياسة
سياسة
سياسة