القوة القاهرة في الخليج: تهديد بتوقف إمدادات الطاقة العالمية وارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة


هذا الخبر بعنوان "ماذا سيحدث لأسواق الطاقة العالمية إذا أعلنت دول الخليج “القوة القاهرة”؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتصاعد المخاوف في الأسواق العالمية من سيناريو إعلان شركات الطاقة في دول الخليج حالة «القوة القاهرة»، وهو ما يهدد بتوقف جزء كبير من إمدادات النفط والغاز العالمية في فترة زمنية قصيرة. يأتي هذا التخوف بعد أن اتخذت كل من قطر والكويت والبحرين بالفعل هذه الخطوة في ظل تصاعد الحرب في الشرق الأوسط وتعطل الملاحة في مضيق هرمز.
وقد حذر وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة، سعد شريدة الكعبي، قبل أيام من أن استمرار الحرب لأسابيع قد يدفع جميع المصدرين في الخليج إلى إعلان القوة القاهرة. وأشار الكعبي إلى أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 150 دولارًا للبرميل، مع اضطرابات واسعة في الاقتصاد العالمي.
تكتسب هذه التطورات أهميتها من كون دول الخليج تمثل أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم، حيث تشكل نحو 32.7% من الاحتياطي النفطي العالمي، وتنتج مجتمعة قرابة 18 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 19% من الطلب العالمي الذي يناهز 99 مليون برميل يوميًا. وتعد قطر ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم بعد الولايات المتحدة، مستحوذة على نحو 20% من تجارة الغاز المسال العالمية، مما يجعل أي اضطراب في صادراتها عاملاً مؤثرًا على أسواق الطاقة الدولية.
تستخدم الشركات والحكومات في عقود الطاقة الدولية بند «القوة القاهرة» عندما يحدث ظرف خارج عن السيطرة – مثل الحروب أو الكوارث – يجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية مستحيلاً أو محفوفًا بالمخاطر. يسمح هذا البند بتعليق الإمدادات دون التعرض لغرامات أو مطالبات قانونية. ويعني إعلان هذا البند عمليًا توقف أو تقليص الصادرات إلى حين عودة الظروف الطبيعية.
وقد بدأ هذا السيناريو بالفعل مع إعلان قطر للطاقة وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد هجمات عسكرية استهدفت منشآتها في مدينتي رأس لفان ومسيعيد الصناعيتين. كما أعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة القوة القاهرة على مبيعات الخام بعد تباطؤ حركة الشحن عبر مضيق هرمز، مع خفض الإنتاج بنحو 100 ألف برميل يوميًا في إجراء احترازي قد يتوسع لاحقًا، وفق ما أوردت رويترز. وأعلنت شركة بابكو إنرجيز البحرينية – اليوم الاثنين – حالة القوة القاهرة على عملياتها عقب هجوم استهدف مجمع تكرير النفط التابع لها. وتشير هذه الخطوات إلى احتمال «انتقال العدوى» إلى بقية المنتجين في الخليج إذا استمرت المخاطر الأمنية في الممرات البحرية الحيوية.
يرى خبير الطاقة نهاد إسماعيل أن إعلان دول الخليج القوة القاهرة سيؤدي إلى توقف الإمدادات لفترة من الزمن قبل استئناف التسليم، مشيرًا إلى أن دول الخليج التي تصدر نحو 18 مليون برميل يوميًا قد تضطر إلى وقف التصدير مؤقتًا. ويقول إسماعيل في حديث للجزيرة نت إن تعويض هذه الكميات في المدى القصير سيكون صعبًا للغاية، رغم إمكانية الاستفادة جزئيًا من التخزينات العائمة للنفط الروسي والإيراني أو زيادة الإمدادات من بعض المنتجين الآخرين.
ويضيف أن الأسواق قد تشهد ارتفاعًا سريعًا في الأسعار، ربما إلى 100 دولار للبرميل في أيام قليلة، مع احتمال تجاوز ذلك بكثير إذا استمر إغلاق مضيق هرمز وتعطل تدفقات الطاقة. كما يشير إلى أن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين أصبح عاملاً إضافيًا في الضغط على الأسواق، إذ تجاوزت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة من الخليج إلى الصين 240 ألف دولار يوميًا في ظل المخاطر المتزايدة في المنطقة.
يرى عدد من الخبراء أن تعويض الإمدادات الخليجية على المدى القصير يمثل تحديًا كبيرًا، نظرًا لحجمها الضخم في السوق العالمية. وبدوره، يعتبر الخبير الاقتصادي مدحت الغدامسي أن توقف الإمدادات عبر الخليج قد يؤدي إلى عجز يتراوح بين 20% و30% من الإمدادات العالمية، مما سيدفع الدول المستوردة إلى البحث عن بدائل في مناطق أخرى مثل الجزائر وليبيا وروسيا ودول أمريكا الجنوبية.
غير أن هذه البدائل – بحسب تقديره – ستكون أكثر كلفة، بسبب ارتفاع الطلب في فترة زمنية قصيرة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ويتوقع الغدامسي في حديث للجزيرة نت أن ترتفع أسعار النفط إلى مستويات قد تقترب من 120 دولارًا للبرميل في الأشهر الستة المقبلة إذا استمرت الأزمة، مع احتمال حدوث موجة تضخم عالمي نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن.
لا تقتصر التداعيات المحتملة على أسواق النفط والغاز، إذ يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات التجارية في العالم، ويمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن تعطل الملاحة في المضيق قد يعرقل أيضًا صادرات عدد من المواد الأساسية، بما في ذلك البتروكيماويات والأسمدة والمعادن الصناعية التي تنتجها دول الخليج بكميات كبيرة.
ويقول خبير شؤون الطاقة هاشم عقل إن إعلان دول الخليج القوة القاهرة قد يؤدي إلى شلل في حركة الشحن عبر المضيق، مع ارتفاع تكاليف التأمين البحري وإعادة توجيه السفن إلى مسارات أطول مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. ويضيف أن هذه التطورات قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل بنسبة تتراوح بين 30% و50%، فضلاً عن تأخير سلاسل التوريد العالمية لأسابيع.
يتوقع الخبراء أن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد قد ينعكسان على الاقتصاد العالمي عبر قنوات عدة، في مقدمتها التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي. ويرى إسماعيل أن استمرار الحرب وإغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وربما دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي نتيجة ارتفاع الأسعار وضعف النشاط الاقتصادي.
كما قد يعرقل ارتفاع أسعار الطاقة جهود البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا لخفض أسعار الفائدة، في ظل عودة الضغوط التضخمية. وفي أوروبا على وجه الخصوص، قد يؤدي ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز إلى زيادة الضغوط على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصناعات الكيميائية والصلب، مما قد يدفع بعض الشركات إلى خفض الإنتاج أو نقل أنشطتها إلى مناطق أقل تكلفة.
تظهر هذه التطورات مدى حساسية الاقتصاد العالمي لأي اضطراب في منطقة الخليج، التي تعد أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة والمواد الصناعية الأساسية. ومع تزايد الاعتماد العالمي على الطاقة في تشغيل الصناعات الجديدة – بما في ذلك مراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي – تبدو الأسواق أكثر عرضة للصدمات الناتجة عن أي تعطل في الإمدادات. وفي حال استمرت الحرب وتعطلت الصادرات الخليجية لأسابيع، قد يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام واحدة من أكبر صدمات الطاقة منذ عقود، مع ارتفاع الأسعار واضطراب التجارة وتزايد الضغوط التضخمية على معظم الاقتصادات.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد