صحة

الخدر العاطفي: كيف يتكيف الدماغ مع الصدمات المتكررة في زمن الحرب واستعادة المشاعر

syriahomenews١٠ آذار ٢٠٢٦ في ٠٧:٠٨ ص17 مشاهدة
الخدر العاطفي: كيف يتكيف الدماغ مع الصدمات المتكررة في زمن الحرب واستعادة المشاعر

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عندما يعتاد الدماغ على الحرب: ما هو الخدر العاطفي؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ آذار ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في أوقات الحروب والأزمات التي تتسم بالصدمات المتكررة، قد يلاحظ الكثيرون تغيراً في استجابتهم للأخبار المأساوية، حيث لم تعد تثير فيهم التفاعل العاطفي السابق. قد يشعر البعض باللامبالاة، أو غياب المشاعر، أو إحساس بالتجمد الداخلي. هذه الحالة، المعروفة في علم النفس باسم الخدر العاطفي، تمثل إغلاقاً للمشاعر والأحاسيس كآلية دفاعية ضد الضغط المزمن.

يشير مختصون في علم النفس إلى أن هذا التجمد العاطفي يعد رد فعل طبيعياً في الظروف القاسية. ومع ذلك، فإن الاستمرار لفترات طويلة في هذه الحالة من السبات النفسي والعاطفي قد يكون مرهقاً، ما يدفع الأفراد للبحث عن سبل لاستعادة إحساسهم بالمشاعر. ووفقاً لتقرير نشره موقع Rubryka، تظهر هذه الحالة عندما يتعرض الإنسان لضغوط نفسية وصدمات متكررة تتجاوز قدرة العقل على المعالجة.

كيف يتكيف الدماغ مع الصدمات المتكررة؟

قبل اندلاع الحروب أو الكوارث الكبرى، يكون حد تحمل الإنسان للألم النفسي عادةً أقل. لكن مع تكرار الأخبار الصادمة والأحداث المأساوية، تتزايد قدرة الإنسان على مقاومة الألم العاطفي. هذا التكيف، رغم أهميته، له حدوده. فعندما تتراكم المشاعر السلبية إلى درجة لا يستطيع العقل معالجتها، تبدأ آليات الحماية النفسية بالعمل. ومن أبرز هذه الآليات ما يُعرف بالتجمّد العاطفي، وهو شكل من أشكال استجابة الجسم للضغط الشديد. يمكن أن يحدث هذا التفاعل سواء كان الشخص يعيش في منطقة الحرب نفسها أو في مكان آمن بعيد عنها، وقد يظهر أيضاً لدى المشاركين في القتال أو العمل التطوعي، أو حتى لدى من يشاهد المآسي والأحداث الصادمة من بعيد.

ماذا يحدث داخل الدماغ؟

عند التعرض لموقف مهدد أو صادم، تنشط منطقة في الدماغ تُعرف باسم اللوزة الدماغية (Amygdala). تعمل هذه المنطقة كنظام إنذار، حيث تُبلغ الجسم بوجود خطر، ما يؤدي إلى إفراز كمية كبيرة من هرمون الأدرينالين في الدم، ويدفع الجسم لاتخاذ إجراءات لحماية نفسه. لكن مع تكرار المواقف الخطرة، تبدأ اللوزة الدماغية بالتكيف مع هذه الحالة، ويعتاد الجسم أيضاً على مستويات مرتفعة من الأدرينالين، إلى درجة قد تصبح هذه الحالة الوضع الطبيعي الجديد للجسم.

عندما يصبح التجمّد وسيلة للبقاء

من جهة، قد يساعد الخدر العاطفي على توفير الطاقة النفسية وتمكين الإنسان من تحمل ظروف الحرب القاسية. لكن من جهة أخرى، قد يؤدي هذا التجمّد إلى تراجع الإحساس بالخطر. يتضح ذلك عند مقارنة سلوك الناس في بداية الحروب مع سلوكهم بعد فترة من استمرارها؛ ففي بداية الأزمات، قد يهرع الناس إلى الملاجئ فور سماع صفارات الإنذار، بينما بعد مدة قد يتجاهل البعض هذه الإشارات ويواصلون حياتهم اليومية رغم المخاطر.

كما قد يجعل الخدر العاطفي الإنسان أقل حساسية تجاه ما يحدث حوله. فخلال الضغط النفسي الشديد، لا تختار النفس ما الذي يجب حجبه، لذلك لا تُحجب المشاعر السلبية فقط، بل أيضاً المشاعر الإيجابية. وعندها قد يشعر البعض بأن الحياة فقدت طعمها، وكأنها طعام بلا نكهة.

كيف يبدو الخدر العاطفي؟

قد يظهر الخدر العاطفي بطرق مختلفة لدى الأشخاص، لكنه غالباً ما يترافق مع مجموعة من العلامات النفسية والسلوكية. ومن بين الأعراض الشائعة التي تشير إليها تقارير الصحة النفسية:

  • صعوبة الشعور بالمشاعر أو التعبير عنها.
  • الشعور بالانفصال عن الذات أو عن الآخرين.
  • الإحساس بالفراغ أو فقدان الحافز.
  • فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانت ممتعة في السابق.
  • صعوبة الشعور بالفرح أو المتعة.
  • الميل إلى العزلة.
  • انخفاض التعاطف مع الآخرين.

وقد يشعر بعض الأشخاص أيضاً بأنهم يراقبون حياتهم من الخارج، من دون القدرة على التفاعل الكامل مع ما يحدث حولهم.

تأثير الخدر العاطفي في العلاقات والحياة اليومية

قد يؤدي هذا التبلّد العاطفي إلى تراجع القدرة على التعاطف مع الآخرين أو الشعور بمشاعرهم، ما قد يؤثر في مختلف جوانب الحياة مثل:

  • العلاقات الشخصية.
  • العمل.
  • الدراسة.

كما قد يجد الشخص صعوبة في الشعور بمشاعر إيجابية مثل الحب والفرح والإلهام والأمل، رغم أنها مشاعر ضرورية للاستمرار في الحياة. ومن المهم أيضاً التذكير بأن المشاعر التي يتم كبتها لا تختفي تماماً، بل قد تبقى مخزّنة في الجسد وتظهر لاحقاً في شكل أعراض جسدية نفسية.

هل يمكن استعادة المشاعر؟

يؤكد متخصصون أن الحساسية العاطفية لدى معظم الناس تعود تدريجياً بعد انتهاء ظروف الضغط الشديد. ومع ذلك، قد يصاب بعض الأشخاص باضطراب ما بعد الصدمة، وقد يحتاجون إلى مساعدة متخصصة لإعادة التواصل مع مشاعرهم. لكن في كثير من الحالات، يستطيع الإنسان استعادة توازنه تدريجياً من خلال خطوات بسيطة تساعد على إعادة الاتصال بالمشاعر.

طرق تساعد على كسر حالة التجمّد العاطفي

هناك عدة طرق قد تساعد على استعادة الحساسية العاطفية تدريجياً، منها:

  • السماح للنفس بالشعور: قد يساعد الاستماع إلى الموسيقى أو مشاهدة الأفلام المؤثرة على إطلاق المشاعر والتعبير عنها، ليس فقط بسبب الحزن، بل أيضاً بسبب الأمل أو مشاهد التضامن والإنسانية. كما قد يلعب الضحك والفكاهة دوراً مهماً في التخفيف من الضغط النفسي، إذ تنتشر في أوقات الأزمات الكثير من النكات والرسوم الساخرة التي تساعد الناس على التعامل مع الواقع الصعب.
  • إعادة الاتصال بالحواس: يمكن استعادة الإحساس بالحياة من خلال الحواس الخمس: النظر إلى الطبيعة أو غروب الشمس، الاستماع إلى الموسيقى، تزيين المنزل، أو استخدام الروائح العطرية.
  • الحركة والتواصل الجسدي: الأنشطة الجسدية البسيطة، مثل الحركة أو لمس الأشياء أو التواصل الجسدي مع الأشخاص المقربين، قد تساعد على إعادة الإحساس بالحياة. كما يمكن للأنشطة اليومية البسيطة، مثل تناول الطعام المفضل أو أخذ حمام دافئ أو قضاء وقت مع حيوان أليف، أن تعيد بعض الشعور بالراحة.
  • ممارسة التعاطف مع الذات: الاعتراف بالمشاعر من دون الحكم عليها قد يساعد في تقليل الضغط النفسي.
  • الحفاظ على نمط حياة صحي: النوم الجيد، والتغذية المتوازنة، والنشاط البدني قد تدعم التوازن النفسي.
  • الانتباه لاستهلاك الأخبار: التعرض المفرط للأخبار والصور الصادمة قد يزيد من التوتر، لذلك قد يكون من المفيد تحديد وقت محدود لمتابعة الأخبار والاعتماد على مصادر موثوقة.
  • الحفاظ على التواصل مع الآخرين: الانعزال قد يزيد من الخدر العاطفي، لذلك قد يكون من المفيد التحدث مع شخص موثوق ومشاركة المشاعر والتجارب معه. كثير من الناس قد يكتشفون أن الآخرين يمرون بالتجربة نفسها.
  • أهمية الحديث مع الأطفال عن مشاعرهم: الأطفال والمراهقون قد يتأثرون بشكل أكبر بالأحداث الصادمة. لذلك من المهم التحدث معهم عن مشاعرهم ومساعدتهم على التعبير عنها بالكلمات. يمكن طرح أسئلة بسيطة مثل: «يبدو أنك منزعج، هل تريد أن تخبرني لماذا؟» أو «لاحظت أنك صامت في الفترة الأخيرة، هل ترغب في التحدث عمّا يزعجك؟» كما يجب التأكيد للأطفال أن كل المشاعر طبيعية ومقبولة في مثل هذه الظروف.

عندما يعود الإحساس تدريجياً

يخشى كثير من الأشخاص الذين يعانون الخدر العاطفي أن تكون قدرتهم على الشعور قد اختفت إلى الأبد. لكن المتخصصين يؤكدون أن هذا ليس صحيحاً. فعندما يختفي عامل الضغط المستمر، يبدأ الإنسان بالتعافي تدريجياً وتعود المشاعر بشكل طبيعي. قد يبدو الشخص الذي يمر بهذه الحالة بارداً أو بعيداً عن الآخرين، وهو ما قد يؤثر في علاقاته مع العائلة أو الأصدقاء. لذلك من المهم فهم ما يحدث بدلاً من تفسيره على أنه تجاهل أو عدم اهتمام.

تأثيرات جسدية محتملة للخدر العاطفي

قد يرافق الخدر العاطفي بعض الأعراض الجسدية أيضاً، مثل:

  • ضعف المناعة.
  • اضطرابات الشهية.
  • اضطرابات النوم.
  • تشنجات العضلات والفك.
  • مشكلات في الجهاز الهضمي مثل الإمساك.

تُعد هذه التفاعلات استجابات بيولوجية طبيعية للضغط الشديد. إذا تدهورت الحالة الجسدية أو النفسية، ينصح الخبراء بطلب المساعدة الطبية أو النفسية من مختصين مثل الأطباء أو المعالجين النفسيين.

في النهاية، يؤكد المختصون أن الخدر العاطفي ليس علامة ضعف، بل هو أحد الطرق التي يحاول بها العقل حماية نفسه في ظروف قاسية. ومع مرور الوقت وتراجع الضغط النفسي، يمكن للمشاعر أن تعود تدريجياً، ويستعيد الإنسان قدرته على التفاعل مع الحياة من جديد.

شارك الخبر: