الخدر العاطفي: كيف يتكيف الدماغ مع الصدمات المتكررة في زمن الحرب واستعادة المشاعر


هذا الخبر بعنوان "عندما يعتاد الدماغ على الحرب: ما هو الخدر العاطفي؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في أوقات الحروب والأزمات التي تتسم بالصدمات المتكررة، قد يلاحظ الكثيرون تغيراً في استجابتهم للأخبار المأساوية، حيث لم تعد تثير فيهم التفاعل العاطفي السابق. قد يشعر البعض باللامبالاة، أو غياب المشاعر، أو إحساس بالتجمد الداخلي. هذه الحالة، المعروفة في علم النفس باسم الخدر العاطفي، تمثل إغلاقاً للمشاعر والأحاسيس كآلية دفاعية ضد الضغط المزمن.
يشير مختصون في علم النفس إلى أن هذا التجمد العاطفي يعد رد فعل طبيعياً في الظروف القاسية. ومع ذلك، فإن الاستمرار لفترات طويلة في هذه الحالة من السبات النفسي والعاطفي قد يكون مرهقاً، ما يدفع الأفراد للبحث عن سبل لاستعادة إحساسهم بالمشاعر. ووفقاً لتقرير نشره موقع Rubryka، تظهر هذه الحالة عندما يتعرض الإنسان لضغوط نفسية وصدمات متكررة تتجاوز قدرة العقل على المعالجة.
قبل اندلاع الحروب أو الكوارث الكبرى، يكون حد تحمل الإنسان للألم النفسي عادةً أقل. لكن مع تكرار الأخبار الصادمة والأحداث المأساوية، تتزايد قدرة الإنسان على مقاومة الألم العاطفي. هذا التكيف، رغم أهميته، له حدوده. فعندما تتراكم المشاعر السلبية إلى درجة لا يستطيع العقل معالجتها، تبدأ آليات الحماية النفسية بالعمل. ومن أبرز هذه الآليات ما يُعرف بالتجمّد العاطفي، وهو شكل من أشكال استجابة الجسم للضغط الشديد. يمكن أن يحدث هذا التفاعل سواء كان الشخص يعيش في منطقة الحرب نفسها أو في مكان آمن بعيد عنها، وقد يظهر أيضاً لدى المشاركين في القتال أو العمل التطوعي، أو حتى لدى من يشاهد المآسي والأحداث الصادمة من بعيد.
عند التعرض لموقف مهدد أو صادم، تنشط منطقة في الدماغ تُعرف باسم اللوزة الدماغية (Amygdala). تعمل هذه المنطقة كنظام إنذار، حيث تُبلغ الجسم بوجود خطر، ما يؤدي إلى إفراز كمية كبيرة من هرمون الأدرينالين في الدم، ويدفع الجسم لاتخاذ إجراءات لحماية نفسه. لكن مع تكرار المواقف الخطرة، تبدأ اللوزة الدماغية بالتكيف مع هذه الحالة، ويعتاد الجسم أيضاً على مستويات مرتفعة من الأدرينالين، إلى درجة قد تصبح هذه الحالة الوضع الطبيعي الجديد للجسم.
من جهة، قد يساعد الخدر العاطفي على توفير الطاقة النفسية وتمكين الإنسان من تحمل ظروف الحرب القاسية. لكن من جهة أخرى، قد يؤدي هذا التجمّد إلى تراجع الإحساس بالخطر. يتضح ذلك عند مقارنة سلوك الناس في بداية الحروب مع سلوكهم بعد فترة من استمرارها؛ ففي بداية الأزمات، قد يهرع الناس إلى الملاجئ فور سماع صفارات الإنذار، بينما بعد مدة قد يتجاهل البعض هذه الإشارات ويواصلون حياتهم اليومية رغم المخاطر.
كما قد يجعل الخدر العاطفي الإنسان أقل حساسية تجاه ما يحدث حوله. فخلال الضغط النفسي الشديد، لا تختار النفس ما الذي يجب حجبه، لذلك لا تُحجب المشاعر السلبية فقط، بل أيضاً المشاعر الإيجابية. وعندها قد يشعر البعض بأن الحياة فقدت طعمها، وكأنها طعام بلا نكهة.
قد يظهر الخدر العاطفي بطرق مختلفة لدى الأشخاص، لكنه غالباً ما يترافق مع مجموعة من العلامات النفسية والسلوكية. ومن بين الأعراض الشائعة التي تشير إليها تقارير الصحة النفسية:
وقد يشعر بعض الأشخاص أيضاً بأنهم يراقبون حياتهم من الخارج، من دون القدرة على التفاعل الكامل مع ما يحدث حولهم.
قد يؤدي هذا التبلّد العاطفي إلى تراجع القدرة على التعاطف مع الآخرين أو الشعور بمشاعرهم، ما قد يؤثر في مختلف جوانب الحياة مثل:
كما قد يجد الشخص صعوبة في الشعور بمشاعر إيجابية مثل الحب والفرح والإلهام والأمل، رغم أنها مشاعر ضرورية للاستمرار في الحياة. ومن المهم أيضاً التذكير بأن المشاعر التي يتم كبتها لا تختفي تماماً، بل قد تبقى مخزّنة في الجسد وتظهر لاحقاً في شكل أعراض جسدية نفسية.
يؤكد متخصصون أن الحساسية العاطفية لدى معظم الناس تعود تدريجياً بعد انتهاء ظروف الضغط الشديد. ومع ذلك، قد يصاب بعض الأشخاص باضطراب ما بعد الصدمة، وقد يحتاجون إلى مساعدة متخصصة لإعادة التواصل مع مشاعرهم. لكن في كثير من الحالات، يستطيع الإنسان استعادة توازنه تدريجياً من خلال خطوات بسيطة تساعد على إعادة الاتصال بالمشاعر.
هناك عدة طرق قد تساعد على استعادة الحساسية العاطفية تدريجياً، منها:
يخشى كثير من الأشخاص الذين يعانون الخدر العاطفي أن تكون قدرتهم على الشعور قد اختفت إلى الأبد. لكن المتخصصين يؤكدون أن هذا ليس صحيحاً. فعندما يختفي عامل الضغط المستمر، يبدأ الإنسان بالتعافي تدريجياً وتعود المشاعر بشكل طبيعي. قد يبدو الشخص الذي يمر بهذه الحالة بارداً أو بعيداً عن الآخرين، وهو ما قد يؤثر في علاقاته مع العائلة أو الأصدقاء. لذلك من المهم فهم ما يحدث بدلاً من تفسيره على أنه تجاهل أو عدم اهتمام.
قد يرافق الخدر العاطفي بعض الأعراض الجسدية أيضاً، مثل:
تُعد هذه التفاعلات استجابات بيولوجية طبيعية للضغط الشديد. إذا تدهورت الحالة الجسدية أو النفسية، ينصح الخبراء بطلب المساعدة الطبية أو النفسية من مختصين مثل الأطباء أو المعالجين النفسيين.
في النهاية، يؤكد المختصون أن الخدر العاطفي ليس علامة ضعف، بل هو أحد الطرق التي يحاول بها العقل حماية نفسه في ظروف قاسية. ومع مرور الوقت وتراجع الضغط النفسي، يمكن للمشاعر أن تعود تدريجياً، ويستعيد الإنسان قدرته على التفاعل مع الحياة من جديد.
صحة
صحة
سياسة
صحة