الفنان في زمن الكارثة السورية: جدل الصمت والمسؤولية في الوعي الثقافي


هذا الخبر بعنوان "عندما يصبح الصمت موقفًا.. مسؤولية الفنان في زمن الكارثة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ليست الحروب مجرد أحداث سياسية تعيد تشكيل الخرائط أو تبدل موازين القوى، بل تتجاوز ذلك لتغير البنية الأخلاقية للمجتمعات وتعيد تعريف أدوار أفرادها. في اللحظات التي يتعرض فيها مجتمع بأكمله لصدمة تاريخية عميقة، لا تقتصر التساؤلات على السلطة والمعارضة أو التحليلات الجيوسياسية، بل تمتد لتشمل جوهر الثقافة: معنى الفن، دور الفنان، وحدود الصمت عندما يغرق المجتمع في قلب الكارثة.
في الأوقات العادية، قد يجد الفنان ملاذًا في عمله الفني، معتبرًا أن مهمته تقتصر على التمثيل أو الكتابة أو الموسيقى، وأن السياسة شأن منفصل. هذا الفصل بين المجالين يبدو منطقيًا في الظروف المستقرة حيث يمكن للفن أن يزدهر في مساحته الخاصة، بعيدًا عن صخب الصراعات اليومية. لكن هذا الفصل ذاته يبدأ بالتصدع عندما تتحول المأساة إلى تجربة جماعية يعيشها مجتمع بأكمله. عندما تصبح الحرب جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، ويتحول العنف إلى واقع يطال المدن والعائلات والذاكرة، يصبح التساؤل عن موقع الفنان داخل هذه اللحظة مشروعًا لا يمكن تجاهله بسهولة.
في الحالة السورية، لم تعد الحرب مجرد حدث سياسي يمكن متابعته من مسافة آمنة. بالنسبة لملايين السوريين الذين عايشوا سنواتها داخل سوريا أو خارجها، كانت تجربة وجودية شاملة: مدن اختفت من خرائطها القديمة، عائلات فقدت أبناءها، وأجيال كاملة وجدت نفسها فجأة خارج بيوتها التي سكنتها لسنوات طويلة. في مثل هذه اللحظات، لا يبحث الناس عن التحليل السياسي بقدر ما يبحثون عن الاعتراف؛ اعتراف بأن ما حدث ليس مجرد أزمة عابرة في الأخبار، بل كارثة إنسانية عميقة ستظل آثارها محفورة في المجتمع والذاكرة لعقود طويلة.
هنا تحديدًا ينشأ النقاش حول دور الشخصيات العامة، وخاصة أولئك الذين يتمتعون بحضور واسع في الوعي الثقافي. فالفنان، بحكم تأثيره الرمزي، لا يكون مجرد فرد عادي داخل المجتمع، بل يتحول إلى صوت يُنظر إليه كجزء من المجال العام. الممثل السوري تيم حسن يُعد واحدًا من أبرز وجوه الدراما العربية خلال العقدين الأخيرين، وقد جعلته نجوميته الواسعة حاضرًا في الذاكرة البصرية لجمهور كبير يتجاوز حدود سوريا. لكن هذه المكانة ذاتها هي ما جعلت صمته العلني خلال سنوات الحرب يثير تساؤلات لدى كثير من السوريين.
المسألة هنا لا تتعلق بمطالبة الفنان بأن يتحول إلى سياسي أو أن يقدم خطابًا أيديولوجيًا؛ فالفن ليس بيانًا حزبيًا ولا ينبغي أن يكون كذلك. لكن الشهرة تمنح صاحبها قوة رمزية، وهذه القوة، في لحظات الانهيار الكبرى، لا تبقى محايدة تمامًا. عندما يمتلك شخص ما القدرة على الوصول إلى ملايين الناس، فإن اختياره للكلام أو الصمت يصبح في حد ذاته جزءًا من المشهد العام. وفي المجتمعات التي تعيش مأساة عميقة، يُنظر إلى هذا الصمت أحيانًا بوصفه حيادًا، وأحيانًا أخرى بوصفه موقفًا غير معلن.
لهذا السبب، يشعر كثير من السوريين بأن المسألة لا تتعلق فقط بموقف سياسي، بل بشيء أعمق: بشعور أن المأساة التي عاشوها لم تجد صدى كافيًا في المجال الثقافي الذي يُفترض أنه الأقرب إلى التعبير عن الألم الإنساني. يتضاعف هذا الإحساس عندما تتحول بعض أحداث تلك المرحلة أو شخصياتها إلى مادة درامية ساخرة أو خفيفة، بينما لا تزال جراح المجتمع مفتوحة. فبينما قد يراها البعض معالجة فنية للواقع، يشعر آخرون أن الزمن لم يمر بعد بما يكفي ليجعل الكارثة قابلة للتحول إلى حكاية درامية قابلة للاستهلاك.
المشكلة هنا ليست في الفن ذاته؛ فالفن بطبيعته يعيد تفسير الواقع ويعيد صياغته داخل الخيال. لكن السؤال الأكثر تعقيدًا يتعلق بالذاكرة الجماعية: متى تتحول المأساة إلى تاريخ يمكن تمثيله؟ ومتى تبقى جرحًا حيًا لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد مادة سردية؟
لهذا فإن خيبة الأمل التي يعبر عنها بعض السوريين لا تتعلق في جوهرها بشخص واحد، ولا بممثل بعينه. إنها تعكس فجوة أعمق بين حجم الكارثة التي عاشها المجتمع السوري، وبين الطريقة التي اختار بها بعض أصحاب الحضور العام أن يقفوا أمام تلك الكارثة. هذه ليست معضلة سورية فقط؛ فالتاريخ الثقافي الأوروبي نفسه مليء بنقاشات طويلة حول دور الفنانين والمثقفين في لحظات الحروب والكوارث. في تلك اللحظات، لا يُسأل الفنان فقط عمّا قدمه فنيًا، بل أيضًا عن المكان الذي اختار أن يقف فيه عندما كان التاريخ يُكتب أمام الجميع.
ربما لا توجد إجابة واحدة على هذا السؤال؛ فالفن بطبيعته مساحة حرية، ولا يمكن تحويله إلى واجب سياسي مباشر. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن المجتمعات التي عاشت الكوارث لا تنسى بسهولة مواقف أولئك الذين امتلكوا القدرة على الكلام. فالحروب قد تنتهي، والسياسة قد تتغير، لكن الذاكرة الثقافية تبقى أكثر صرامة في تسجيل المواقف. وفي مثل تلك اللحظات، يصبح السؤال بسيطًا بقدر ما هو قاسٍ، أي عندما كان المجتمع يمر بأصعب لحظاته: أين وقف الذين كان بإمكانهم أن يتكلموا؟ لأن الصمت في الأزمنة العادية قد يكون خيارًا شخصيًا، أما في زمن الكارثة، فقد يتحول الصمت إلى موقف.
سياسة
ثقافة
ثقافة
سوريا محلي