الأيديولوجيون الأمميون: طريق الاستبداد ونهاية الخراب من هتلر إلى بن لادن


هذا الخبر بعنوان "الأيديولوجي الأممي واليوم الأخير" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مقال سابق له على “زمان الوصل” بعنوان “الأيديولوجيات الأممية وقتل الوطنية”، تناول الدكتور مصطفى حسين بطيخة الفروقات الجوهرية بين الوطني والأيديولوجي الأممي. فالوطني يؤمن بالاختلاف والتشاركية والمساواة تحت سقف القانون لجميع أبناء الوطن، بينما الأيديولوجي الأممي ينكر الحدود ويعترف بسلط وعصبيات تاريخية تسبق مفهوم الدولة والوطن. ينبع التمايز لدى الأيديولوجي الأممي من انتمائه لهذه العصبيات، حيث يرى المجتمع كمجموعة من العصبيات لا كيانًا واحدًا، ويعتبر عصبته هي الحق المطلق، مما يؤدي إلى نشوء الاستبداد المطلق. وقد تحدث المقال السابق بالتفصيل عن أنواع الأمميات، سواء القومية أو الدينية بأنواعها، وصولاً إلى الجهادية.
يتناول هذا المقال نماذج بارزة في عالم الأممية الأيديولوجية، مبيناً كيف أن هذه الشخصيات لم تجلب سوى الاستبداد، وكيف أن “اليوم الأخير” للأيديولوجي الأممي يتمثل في سقوط مفاجئ ولحظي لا يتوقعه أتباعه الذين يرون فيه الرب الجبار. ومع هذا السقوط، تتكشف زيف أيديولوجيتهم وتفوقها المزعوم، لكن الخراب الذي يلحق بوطن الأيديولوجي الأممي في “يوم السقوط الأخير” يكون عظيماً.
من أبرز هذه الأسماء الأيديولوجي الأممي هتلر، وهو العصبوي القومي الذي نادى بالصفاء العرقي وصنف البشرية بناءً على قربها أو بعدها عن العرق الآري الجرماني. استغل هتلر أزمة الكساد الكبير العالمية عام 1929، التي انتشرت فيها البطالة والفقر، ليصبح مستشاراً لألمانيا عام 1933 عبر الوسائل الديمقراطية. سرعان ما ألغى هذه الوسائل بقرار برلماني، معلناً نفسه وحزبه النازي حاكماً مطلقاً لألمانيا، وشكل قوات أمن خاصة به (وحدات إس إس) مستقلة عن الدولة. كان اليوم الأخير لهتلر عام 1945، حيث انتحر بعد أكثر من 15 محاولة انقلاب وطنية ألمانية عليه خلال الحرب العالمية الثانية. لقد كلف هذا الأيديولوجي العالم أكثر من 75 مليون قتيل، وألمانيا وحدها حوالي 8 ملايين قتيل، ودُمرت ألمانيا كلياً وتقاسمتها الدول بعد الحرب، وشهدت اغتصاب حوالي مليوني امرأة ألمانية. أقسم العالم ألا يعيد إنتاج هذا النوع القاتل من الأيديولوجيين، الذي يدمر العالم والوطن معاً.
ننتقل من الأيديولوجي القومي إلى الأيديولوجي الشيوعي الصيني، ماو تسي تونغ، الذي استفاد من المظاهرات الفلاحية الصينية عام 1925 ليقود الحزب الشيوعي الصيني، الذي أصبح الحزب الوحيد في الصين بعد قضائه على القوميين الصينيين الذين تحالف معهم أثناء الحرب العالمية الثانية. يُعد ماو تسي تونغ صاحب النظريات التجريبية في الشعب. أدت تجربته الاقتصادية لتحويل الصين من زراعية إلى صناعية بين عامي 1958 و1962 إلى أشد المجاعات البشرية فتكاً، حيث راح ضحيتها ما يتجاوز 30 مليون صيني ماتوا جوعاً. أما ثورته الثقافية بين عامي 1966 و1976، فلم تهدف للتنمية بل لإحياء الفكر الشيوعي بعد شعوره بأفوله، وتطهير البلاد من البورجوازيين، مطلقاً العنان للطلاب والحرس الأحمر، مما أدى إلى مقتل حوالي 20 مليون صيني. مات هذا الأيديولوجي الشيوعي المستبد بعد أن كلف الصين الكثير من الضحايا والتجارب الفاشلة، ولم يحدث الازدهار الاقتصادي الصيني الحالي إلا عندما أعلنت الصين الانقطاع التام والفوري عن هذا الأيديولوجي القاتل.
ومن ماو تسي تونغ ننتقل إلى الأيديولوجي الأممي، الخميني، صاحب نظرية الأممية الدينية الشيعية، الذي أصبح حاكم إيران بعد أن استفاد من المظاهرات والإضرابات المدنية ضد الشاه عام 1978 نتيجة السياسات الاقتصادية والفساد وقمع جهاز السافاك الأمني. ادعى الخميني الإصلاح من خلال تعيين حكومة إصلاحية ديمقراطية، بينما كان ينشئ الحرس الثوري الخاص به والخلايا والمحاكم الثورية، التي حاكمت لاحقاً شركاءه في الثورة الإيرانية من الماركسيين والليبراليين الدستوريين، وكثير منهم كانوا من الإسلاميين الديمقراطيين. بعدها أسس الخميني أول دولة لـ”المشايخ” عرفها التاريخ، وأعلن نفسه حاكماً أبدياً ومرشداً عاماً للثورة، ثم طور نظرية “الولي الفقيه” لخدمة هدفه في تصدير أيديولوجيته الشيعية إلى خارج الحدود. قام الخميني بتوزيع الأدوار الشيطانية، لكن ذلك لم يمنعه من مد يده للشياطين، فكانت فضيحة “إيران-كونترا” التي اشترت إيران خلالها عام 1985 من الشيطان الأكبر (أمريكا) صواريخ للحرب ضد العراق، وتم إرسال هذه الصواريخ من إسرائيل. لا غرابة في ذلك إذا فهمنا أن إيران الوظيفية كانت مهمتها صناعة الفوضى في المنطقة، وإشعال السعار العصبوي الشيعي السني فقط (للمزيد يمكن العودة لمقال الكاتب في زمان الوصل: سوريا الوظيفية والحدث المادوري). كل هذه التحالفات الشيطانية مع الأيديولوجي الخميني لم تجعله يفكر بالصلح مع العراق حتى اضطر للاستسلام لها عام 1988، بعد مليون قتيل ومثلهم من الجرحى، واصفاً قرار قبول الاستسلام بقوله: “ويل لي أنا الذي مازلت على قيد الحياة، أتجرّع كأس السُّم بقبول القرار”. يبدو أن الخميني قد تجرع السم حقاً في هذا “اليوم الأخير”، يوم الاستسلام، فمات العام الذي يليه (1989)، بعد أن ترك لنا مجموعة من الأيديولوجيين الأمميين أمثال خامنئي وسليماني وحسن نصر الله، الذين ألحقتهم صواريخ الشياطين بمثواهم الأخير، بعد أن تركوا دولهم ودول محاورهم الوهمية من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن مدمرة تحكمها الميليشيات. لقد حولت الأيديولوجية الدينية الخمينية إيران، العائمة على بحر من النفط، إلى دولة دخل الفرد المتوسط فيها منخفض، حسب تصنيف البنك الدولي، حوالي 350 دولاراً شهرياً، وبمعدل نصف الدخل قبل استلام الخميني (حوالي 650 دولاراً شهرياً عام 1976)، مقارنة بالإمارات الآن (حوالي 4000 دولار شهرياً) أو السعودية (3000 دولار شهرياً) أو الصين (1200 دولار شهرياً) أو تركيا (1400 دولار) أو إسرائيل (4500 دولار). لا عجب أن أبناء هذه الدولة الأيديولوجية وعلماءها يحاولون دائماً الهرب من هذه الدولة النفطية الغنية. واليوم، إيران، وبعد أن تم قطع محاورها القاتلة في المنطقة، ليست إلا كمن قطعت شرايينه وترك ينزف، فلابد له أن ينتفض قليلاً، كما تفعل الآن بإطلاق صواريخها، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.
في مقابل الأممي الشيعي الخميني، يظهر لنا شيخ الأممية السنية الجهادية أسامة بن لادن، الذي ترك عائلته السعودية المقدرة ثروتها بمليارات الدولارات، ليلتحق بحياة المغاور كما كل الجهاديين الأمميين. كان خروجه إلى أفغانستان بتسهيل من الشيطان الأكبر (أمريكا) والأنظمة العربية التي وجدت فائدتين في ذلك: الأولى محاربة الاتحاد السوفيتي، والثانية إبعاد هذا النوع من الأيديولوجيين الأمميين عن البلاد. وفي أفغانستان أسس ابن لادن القاعدة عام 1988. لم تقف أيديولوجية ابن لادن الجهادية عند السقوط الروسي، بل كان لا بد من تعميمها على العالم، فهو أيديولوجي أممي عابر للقارات. تعتبر تفجيرات أيلول عام 2001 على أمريكا العنوان البارز لإنجازات بن لادن، والذي شوهد على شاشات التلفاز يقسم بالله أنه غير مسؤول عن ذلك، ليعود عام 2004 ويعترف بمسؤولية القاعدة بعد صيام ثلاثة أيام لقاء حنثه باليمين الأول. لقد أدى هذا التهور الأيديولوجي إلى كوارث على العالم الإسلامي والمسلمين أينما وجدوا من خلال قوانين الإرهاب، فتم تدمير العراق عام 2003، وأعطيت الفرصة لشارون في تصفية المكاسب الدولية الفلسطينية بحجة “الإرهاب”. لقد شاهد العالم الرئيس الأمريكي، أوباما، وهو يشاهد عملية قتل ابن لادن في يومه الأخير بعد أن ترك خلفه العديد من الجهاديين الأمميين الذين يجوبون العالم الآن وآخرهم “داعش”، وترك لنا دولة “المشايخ” الثانية في التاريخ بعد إيران وهي أفغانستان، حيث يعيش فيها حوالي 50% من سكانها تحت خط الفقر، بمتوسط دخل فردي حوالي 35 دولاراً شهرياً.
هذه نماذج من الأيديولوجيين الأمميين الذين لا حصر لهم، إلا أن جميعهم دون استثناء يتميزون بالصفات التالية: يستفيدون من لحظات ومطالب شعبية محقة معتمدين على أوجاع المجتمع، ويأتون بقبول شعبي واعدين بالإصلاح، لكنهم يستبدون بالمجتمع بعد ذلك معلنين حكم العصبية الواحدة الأبدية بأفكارهم الأيديولوجية. جميعهم يلغون التشاركية مع مكونات الوطن، ويومهم الأخير هو يوم كارثي يحل بالوطن الدمار. فالأيديولوجي الأممي لا يفارق عالمه إلا بعد أن يطبق في وطنه (وفي كثير من الأحيان يمتد خارج حدوده) سياسة الأرض المحروقة حتى بأتباعه، وجميعهم يخلفون بلاداً منهارة اقتصادياً، لأن الأيديولوجية عدوة الاقتصاد والتنمية والتعليم، ولا ينمو الاقتصاد مع الفساد الذي يؤسس له هذا الأيديولوجي ليبقى ويستبد. لذلك، لن تجد أيديولوجياً أممياً واحداً في الدول المتقدمة حيث التنمية. وجميعهم يعتمدون على طبولهم الإعلامية، عسى البطون تنسى جوعها وهي تحلم بانتصارات الأيديولوجي الوهمية. وفي النهاية، يشكل جميعهم تنظيمات ميليشيوية لهم ومستقلة عن الدولة (وحدات إس إس النازية، الحرس الأحمر الصيني، الحرس الثوري الإيراني)، هدفها مراقبة الجماهير وتنفيذ إرادة (الرب الأكبر) عند الإشارة، بما يتضمن القتل الجماعي والاغتيالات.
إن الأوطان لا أمل لها إلا بإعلان القطيعة التامة مع الأيديولوجي الأممي، والعودة لمفهوم الوطني بأفكاره. فالوطني يؤمن بالمساواة تحت سقف القانون لجميع من ضمته حدود الوطن، ويؤمن بالاختلاف ويلغي العصبيات وكلمة “أقلوي” من قاموسه، ويؤمن بالتشاركية المجتمعية ضمن آليات ديمقراطية حقيقية، ويؤمن بحق المجتمع بالتنمية بجميع فروعها كبديل عن شعارات الأيديولوجي الزائفة، التي تدعو المجتمع للصبر لحين تحقيق شعاراته الأبدية التي يخلقها لابتزاز المجتمع واستبداده. إن الخيار الوطني هو ما يجب أن يطالب به السوريون دون هوادة، قبل أن نذهب إلى تأسيس دولة “المشايخ” الثالثة في التاريخ بعد إيران وأفغانستان.
*الدكتور مصطفى حسين بطيخة أستاذ جامعي وكاتب سوري
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة