قانون الإعلام في سوريا: ضرورة تنظيم الفوضى وتحدي بناء بيئة تشريعية حقيقية


هذا الخبر بعنوان "سوريا بين الحاجة إلى قانون إعلام وبناء بيئة قانونية حقيقية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار حديث الرئيس أحمد الشرع حول الفوضى الإعلامية في الشارع السوري وضرورة وجود قانون ينظم العمل الإعلامي نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية. من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار أهمية هذا الطرح، فكل دولة حديثة تحتاج إلى إطار قانوني واضح ينظم عمل وسائل الإعلام، ويحدد الحقوق والواجبات، ويضمن التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية. غير أن التحدي في الحالة السورية لا يقتصر على غياب النص القانوني فحسب، بل يمتد إلى ضعف البنية القانونية والمؤسساتية القادرة على صياغة مثل هذا التشريع وتطبيقه بعدالة.
تاريخيًا، لم تعرف سوريا إعلامًا حرًا بالمعنى الحقيقي للكلمة. فعلى مدى عقود طويلة، كان الإعلام جزءًا لا يتجزأ من بنية السلطة السياسية، يعمل ضمن حدود مرسومة مسبقًا، ويفتقر إلى المساحة الكافية للقيام بوظيفته الأساسية في الرقابة والنقد ونقل الحقيقة. ولهذا السبب، لم يكن هناك قانون إعلام متكامل ينظم العلاقة بين الدولة والإعلام والمجتمع، لأن البيئة السياسية نفسها لم تكن تسمح بوجود إعلام مستقل يحتاج إلى مثل هذا التنظيم.
صحيح أن سوريا شهدت في السنوات الأخيرة صدور بعض التشريعات المرتبطة بالفضاء الرقمي، مثل قانون الجرائم الإلكترونية، إلا أن هذا القانون لم يكن في جوهره لتنظيم الإعلام، بل كان أقرب إلى أداة قانونية لضبط المحتوى الإلكتروني وملاحقة بعض أشكال النشر على الإنترنت. لذلك، بقيت مسألة تنظيم الإعلام، سواء التقليدي أو الرقمي، خارج إطار تشريعي واضح ومتوازن.
اليوم، ومع التغيرات الكبيرة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، بات من الطبيعي أن يظهر هذا النقاش حول ضرورة وجود قانون إعلام حديث. فقد أصبح المشهد الإعلامي السوري أكثر تنوعًا واتساعًا، وظهرت عشرات المنصات والصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التي تعمل داخل البلاد وخارجها. هذا التنوع خلق حالة من الحيوية، لكنه في الوقت نفسه أوجد قدرًا من الفوضى المهنية والقانونية، الأمر الذي يجعل فكرة وجود إطار تنظيمي أمرًا ضروريًا وملحًا.
لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه القانونيين في سوريا اليوم لا يكمن فقط في صياغة نص قانوني، بل في إيجاد فلسفة قانونية متوازنة لهذا التشريع. فالقانون ليس مجرد مجموعة من المواد المكتوبة، بل هو انعكاس لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وللرؤية السياسية التي تحكم هذه العلاقة. وإذا لم يكن هذا التوازن موجودًا، فإن أي قانون إعلام قد يتحول بسهولة إلى أداة للرقابة أو التضييق، بدلًا من أن يكون وسيلة لتنظيم العمل الإعلامي وحمايته.
هناك أيضًا إشكالية أخرى تتعلق بالجهة التي ينبغي أن تصدر مثل هذا القانون. ففي الأنظمة الديمقراطية، تصدر القوانين عادة عن البرلمان بعد نقاشات واسعة ومداولات تشارك فيها القوى السياسية والخبراء وممثلو المجتمع المدني. هذا المسار يمنح القانون شرعية سياسية ومجتمعية، ويجعله أكثر قبولًا لدى الرأي العام. أما إذا صدر قانون الإعلام عبر مراسيم تشريعية من السلطة التنفيذية، فقد يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية. فالمجتمع السوري، بعد سنوات طويلة من الحكم المركزي الصارم، أصبح شديد الحساسية تجاه أي تشريعات تصدر بطريقة فوقية. وقد يفسر البعض مثل هذه الخطوة على أنها عودة إلى الأساليب القديمة في إدارة الدولة، أو محاولة لفرض قيود جديدة على حرية التعبير. ومن هنا، قد تتحول نية تنظيم الإعلام إلى مصدر توتر جديد بين السلطة والشارع، وهو أمر لا يخدم الاستقرار السياسي ولا عملية بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
لذلك، فإن الطريقة التي يُصاغ بها القانون لا تقل أهمية عن مضمون القانون نفسه. الحل الأكثر توازنًا يتمثل في أن يأتي قانون الإعلام من خلال البرلمان، بعد حوار واسع يشارك فيه الإعلاميون والقانونيون والأكاديميون ومؤسسات المجتمع المدني. مثل هذا المسار لا يمنح القانون شرعية أكبر فحسب، بل يساعد أيضًا على إنتاج نص أكثر واقعية وقدرة على معالجة التحديات الفعلية التي يواجهها الإعلام في سوريا.
كما يمكن لسوريا أن تستفيد من خبرات وتجارب الدول الأخرى في هذا المجال، فمعظم الدول تمتلك تشريعات إعلامية متطورة تحاول تحقيق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية. الاستفادة من هذه التجارب لا تعني نقل القوانين بشكل حرفي، بل دراسة النماذج المختلفة واختيار ما يناسب الواقع السوري وخصوصيته السياسية والاجتماعية.
في النهاية، تحتاج سوريا بالفعل إلى قانون إعلام حديث، لكن هذا القانون يجب أن يكون جزءًا من عملية إصلاح قانوني أوسع، تهدف إلى بناء دولة المؤسسات والقانون. فتنظيم الإعلام لا يمكن أن ينجح في بيئة قانونية ضعيفة أو في ظل غياب مؤسسات رقابية مستقلة. القانون المطلوب ليس قانونًا لضبط الإعلام بقدر ما هو قانون لحمايته وتنظيمه وضمان استقلاليته. وإذا تم التعامل مع هذا الملف بروح الإصلاح والانفتاح، فقد يكون خطوة مهمة نحو بناء بيئة إعلامية صحية تسهم في تعزيز الشفافية والمساءلة وتدعم عملية التحول السياسي التي يتطلع إليها السوريون.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة