نقد الدراما السورية المعاصرة: تراجع الأداء وضحالة النصوص في أعمال حسام سلامة ويارا صبري وجهاد عبدو


هذا الخبر بعنوان "بين روعة الماضي وقلق الحاضر: هل تصنع الدراما الاجتماعية مجد الممثل المتجدّد؟" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقدم المخرج حسام سلامة عملاً درامياً مخيباً للآمال، يتناول قصة امرأة خيّرة تجسدها الممثلة يارا صبري. تدور الأحداث حول "هناء"، امرأة سورية في الخمسين من عمرها، تسعى للحفاظ على صرح تعليمي تركه زوجها المتوفى، فتؤسس تقليداً في مدرستها الخاصة لتكريم الطلبة المتفوقين. في المقابل، تبرز شخصية "يارا"، الفتاة الفاتنة البالغة ثمانية عشر عاماً، التي تؤدي دورها الممثلة ماسة الجمال. تتعرض يارا لمحاولة تحرش من مديرها في العمل، لكن هناء تكتشف فيها ذكاءً لافتاً. ومع ذلك، تبدو يارا أسيرة لشخصية افتراضية مثالية صنعتها لنفسها، متخيلةً أنها "سوبر وومان" مثقفة وذات مكانة اجتماعية، في محاولة للانفصال عن واقعها الاجتماعي الأصلي. تتطور الأحداث في هذا العالم الدرامي، لكن المشاعر تبدو مصطنعة وغير صادقة.
يتشابك مع هذه القصة خط درامي آخر يجسده الممثل جهاد عبدو، الذي يؤدي دور شخصية مصابة بمرض ألزهايمر، مما يخلق سرداً مشوشاً تتداخل فيه الحقيقة مع الكذب. يلاحظ النقاد غياب المرونة الدرامية وعمق الطرح الاجتماعي الذي كان يميز أعمالاً سابقة، مثل مسلسل أحلام كبيرة للمخرج الراحل حاتم علي، والذي نجح في تصوير الواقع الاجتماعي للأسرة السورية. في المقابل، يتجه العديد من كتاب السيناريو، ومن بينهم السيناريست لؤي النوري، نحو الاقتباس من دراما سطحية، على غرار أعمال مثل صبايا، التي تركز على الخفة بدلاً من التحليل الاجتماعي العميق. ورغم محاولة السيناريو استغلال التشويق، إلا أنه يفشل في تقديم تحليل نفسي متعمق للشخصيات. شخصية جهاد عبدو المضطربة، التي كان من المفترض أن تكون معقدة ومتعددة الأبعاد، لم تنجح في خلق حضور درامي مقنع، حيث يميل أداؤه إلى محاكاة أسلوب سينما ألفريد هيتشكوك دون امتلاك الأدوات الفنية اللازمة، في محاولة واضحة لصناعة "نجم شباك".
يعود الممثل جهاد عبدو من سنوات المنفى والهجرة القسرية، التي اضطر خلالها للابتعاد عن التمثيل والعمل في مهن مختلفة. ورغم ظهوره في أدوار قصيرة ببعض الأفلام الهوليودية، إلا أنها كانت أقرب إلى أدوار "الكومبارس" منها إلى أدوار فنية حقيقية. يبدو أن هذه التجربة أثرت سلباً على مرونته الدرامية وأحدثت انقطاعاً فنياً واضحاً، مما انعكس على أدائه الحالي ووضعه في مرتبة متأخرة بين نجوم الدراما السورية. يطرح المقال تساؤلاً حول ما إذا كان بإمكان الممثل الاعتماد على تاريخه الفني كحصانة ضد النقد.
تُقدم شخصية "هناء" (يارا صبري) كأستاذة لامعة تقترب من الخمسين، وهو عمر يُعتبر مفصلياً في المجتمعات المهووسة بالعمر. تتفاقم معاناتها بعد وفاة زوجها المبكرة، ويدفعها شعورها بالوحدة، رغم ثقافتها ونضجها، إلى الانخراط في الدفاع عن حقوق المرأة. يحاول السيناريو، من خلال هذه الشخصية، تشريح ألعاب القوة والتلاعب التي تتيحها الشبكات الاجتماعية. ومع ذلك، يرى النقاد أن الأداء الدرامي ليارا صبري في دور هناء يبدو باهتاً ومباشراً في سياق درامي ضعيف نسبياً. عند التدقيق في تفاصيل الأداء، من حركة اليدين وتقاسيم الوجه وطريقة إلقاء الكلمات، يجد المشاهد نفسه أمام ممثلة تختلف عن تلك التي أبدعت في مسلسل الفصول الأربعة. يؤكد المقال أن المجد الفني يتطلب تراكم الخبرات والإبداع المستمر، ولا يكفي الاعتماد على نجاح عمل واحد أو تكرار الأدوار. ويُعد الفقر الدرامي والمباشرة الفجة في الأداء، حيث تُردد كلمات السيناريو حرفياً دون إضافة من خبرة الممثل، من أبرز نقاط الضعف النقدية.
في سياق أزمة الهوية التي تعيشها الدراما السورية الحديثة، ينسج حسام سلامة ولؤي النوري سرداً يعتمد على قصص متداخلة. يضم العمل عناصر مثل الكذب والحقيقة والخداع والتلاعب والشعور بالذنب والحب، لكنها تُقدم بطريقة غير جذابة. فالمغامرة الرومانسية تفتقر إلى التوازن بين الإثارة والتعليق الاجتماعي، كما أن الواقع والخيال لا يمتزجان بسلاسة. يظل التفاعل بين عالم "هناء" الواقعي وعالم "يارا" الافتراضي يحافظ على توازن هش بين الخيال والعاطفة. أما مشاهد الفلاش باك والمشاهد التمهيدية البصرية، فتبدو غير متقنة، وكأن العمل يسعى لتصوير دمشق بأقصى درجات القتامة، مما يجعلها تبدو كمدينة مختلفة تماماً، رغم أنها مدينة لم تفقد ضوء الأمل والحب حتى في أصعب الظروف.
بالإضافة إلى ضعف الحبكة، يبرز الخلل الرئيسي في الأداء التمثيلي. تتردد يارا صبري في الكشف الكامل عن الأبعاد المتعددة للشخصية التي تجسدها. ورغم حضورها الجسدي الجذاب، إلا أنه لا يعوض غياب العمق المطلوب في الأداء أمام الكاميرا. كان من المفترض أن تُجسد هذه الشخصية المعقدة بمجموعة واسعة من المشاعر لتصبح آسرة ومثيرة للقلق في آن واحد. أما أداء ماسة الجمال، فبالرغم من أسلوبها الصوتي اللافت في البداية، إلا أنها تفتقر إلى الحساسية الدرامية المطلوبة في هذا النطاق التمثيلي الذي لم تتعمق فيه سابقاً.
بعد محاولته استكشاف هشاشة النفس البشرية في مسلسل المقعد الأخير، يواصل حسام سلامة بحثه في الروح السورية من خلال لعبة درامية تعتمد على الاختباء والبحث. لكن هذه اللعبة، في العمل الحالي، لا تحقق هدفها المنشود. يبدو العمل وكأنه يطارد فكرة عميقة دون امتلاك الأدوات الفنية اللازمة لتجسيدها، ليظل في النهاية مجرد محاولة درامية غير مكتملة. (أحمد صلال - زمان الوصل)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة