رواية "فوق رأسي سحابة" لدعاء إبراهيم تصل القائمة القصيرة للبوكر: عودة قابيل في زمن العنف والصمت


هذا الخبر بعنوان "“فوق رأسي سحابة” في القائمة القصيرة للبوكر: قابيل يعود من جديد" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم رولا عبدالله
كأنّ الدم الأوّل في التاريخ لم يجفّ بعد. في رواية "فوق رأسي سحابة"، الصادرة عن دار العين للكاتبة المصريّة دعاء إبراهيم، والتي بلغت مؤخراً القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، يعود قابيل كظلٍّ معاصر يسكن جسد امرأة ويهمس لها بأن القتل قدرٌ يتكرّر. هكذا تُعيد الرواية كتابة الحكاية التأسيسية للعنف، لا في البراري الأولى، بل في غرف المستشفيات وقاعات التحقيق، حيث يتداخل الذنب الشخصي مع خطيئة الصمت الجماعي.
من هنا تحديداً، لا تقف الرواية عند حدود الجريمة بالمعنى التقليدي، بل تنفتح كنصّ مكثّف يتتبّع أثر الصدمة حين تتحوّل إلى قدر شخصي. فالجريمة ليست ذروة الحكاية، بل نتيجتها، وليست البداية، بل ما يتبقّى بعد صمت طويل. تنطلق الرواية من طفولةٍ مُعتدى عليها: خالٌ يغتصب، أمٌّ منشغلة، أبٌ يهاجر إلى اليابان. الجريمة الأولى لا تُواجَه، بل تُدفن داخل العائلة، فيكبر معها العار.
تكبر نهى أيضاً، وتعمل ممرضة، لكنها توظّف معرفتها الطبية – ببرودةٍ مهنية دقيقة – في حقنة هواء لا تترك أثراً. لا تبحث عن ضجيج الدم، بل عن صمته. هنا يتجلّى وعي الكاتبة المهني، فدعاء إبراهيم طبيبة، تكتب الجسد من الداخل: الوريد، القلب، الهواء، النبض. مفردات تتحوّل إلى أدوات سرد، فيما يصبح القتل محاولةً لاستعادة سيطرةٍ مفقودة على جسدٍ انتُهك ولم يجد اعترافاً.
غير أنّ الرواية لا تكتفي بالواقعي، إنها تستدعي السردية للقتل الأول – حكاية قابيل وهابيل – لا بوصفها موعظةً، بل كحكاية مؤسسة للذنب البشري. قابيل هنا استعارةٌ للقتل بوصفه طاقةً كامنة في الإنسان. تحبّه نهى كحبيبٍ متخيَّل، وتتماهى معه، كأنّ الدم الذي سال في الحكاية الأولى لم يتوقّف عن الجريان. والغراب الذي يهمس لها "سيموت اليوم" ليس تفصيلاً عجائبياً زائداً، بل تجسيداً لصوت الصدمة حين ينفصل عن صاحبه ويتحوّل إلى قدرٍ يُنفّذ.
بهذا المعنى، تتجاوز الرواية ثنائية الضحية والجلاد. نهى ليست بطلةً انتقامية ولا شيطاناً خالصاً، إنها نتاج صمتٍ طويل. تمتدّ يدها إلى الأمّ، إلى الأب، إلى الطفل، إلى المريض، كأنّ المجتمع بأسره تمثيلٌ للجريمة الأولى. هنا يكمن نقد الرواية: ليس العنف وحده هو المشكلة، بل التواطؤ العائلي والاجتماعي الذي يدفنه. الصمت هو الجريمة الثانية، ومنه يتولّد كل شيء.
على مستوى البناء، تعتمد دعاء إبراهيم ضميراً داخلياً متشظّياً، قريباً من تيار الوعي، لكنه منضبط بإيقاعٍ حاد. الجمل قصيرة، مشدودة، تتأرجح بين هذيانٍ شعري وواقعيةٍ طبية باردة. هذا التوتر يمنح النص طاقةً خانقة، كأنّ القارئ يصغي إلى أنفاس متسارعة في غرفة تحقيق. لا تشرح الكاتبة اضطراب نهى، بل تتركه يتسرّب عبر اللغة: التكرار، الوسوسة، الإلحاح على مفردات الجسد. وهكذا يتحوّل السرد نفسه إلى مرآةٍ للانقسام الداخلي.
يمكن مقاربة الغراب في الرواية بعالم هاروكي موراكامي، ولا سيما في "كافكا على الشاطئ"، حيث يتحوّل الصوت الداخلي إلى كيانٍ شبه مستقل. غير أنّ غراب دعاء إبراهيم قدريٌّ ومغلق، لا يقود إلى مصالحة بل إلى تكرار، على عكس غراب موراكامي الذي يؤدي وظيفةً إرشادية ملتبسة. وكذلك تحضر مقارنة مع رواية "IQ84"، حيث تستخدم البطلة أداةً طبية دقيقة لقتل المعتدين، لكن بطلة موراكامي تتحرّك ضمن مشروعٍ انتقامي منظّم، فيما تتحرّك نهى بدافعٍ داخليٍّ مشوّش، خليط من العدالة والعدمية. الفارق هنا أخلاقي وجمالي معاً: "فوق رأسي سحابة" لا تمجّد الانتقام، بل تفضح فراغه.
انتقال الأحداث إلى اليابان يوسّع أفق المقارنة. البلد الذي يبدو نموذجاً للنظام يكشف قسوته في التحقيق والاعتراف والعزلة. اليابان ليست خلاصاً، بل مرآةٌ أخرى للوحدة. بذلك تُفكّك الرواية وهم الهروب الجغرافي: لا مهرب من الصدمة إن لم تُواجَه. في المحصّلة، "فوق رأسي سحابة" ليست روايةً عن قاتلة بقدر ما هي عن مجتمعٍ لا يرى جريمته إلا حين تتجسّد في يدٍ قاتلة. حضورها في القائمة القصيرة للبوكر يبدو مستحقاً، لأنها لا تراهن على الإثارة، بل على إرباك الضمير. إنها نصٌّ يختبر حدود التعاطف، ويترك القارئ أمام سؤالٍ صعب: هل ندين نهى وحدها، أم نعيد النظر في الطفلة التي لم يُنقذها أحد؟
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة