أسعار النفط العالمية تلهب سباقاً أوروبياً أميركياً على حقول سوريا: عودة الشركات الكبرى إلى دمشق


هذا الخبر بعنوان "نشاط أوروبي مكثف في دمشق وعودة الشركات العالمية.. هل أشعلت أسعار "117 دولاراً" سباق النفط السوري؟" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد العاصمة السورية دمشق حالياً حراكاً اقتصادياً ملفتاً في قطاع النفط والغاز، يتزامن مع ارتفاع قياسي في أسعار النفط العالمية التي تجاوزت 117 دولاراً للبرميل. يأتي هذا النشاط في ظل تصعيد عسكري بمنطقة الخليج وتداعيات حرب حديثة، مما يعكس تحولاً جوهرياً في مشهد الطاقة. تشتد المنافسة على حقول النفط والغاز السورية بين شركات أوروبية وأميركية تستعيد حضورها، مدفوعة بفرص الإنتاج المتاحة في خضم أزمة طاقة عالمية خانقة، وتصريحات بريطانية مقلقة بشأن محدودية مخزون الغاز لديها لأيام معدودة.
في خطوة تشير إلى بداية مرحلة جديدة من الاستثمار الأوروبي المباشر، عُقد في دمشق لقاء فني عملي جمع وفداً من شركة "إينا" (INA) الكرواتية، التابعة لمجموعة مول المجرية، مع الأستاذ سليمان ديب، رئيس مجلس إدارة شركة "حيان". أكدت المصادر أن الشركة بدأت العمل فعلياً على الأرض، ولم يقتصر اللقاء على الجانب النظري. ومن المقرر أن يقوم الوفد بجولة ميدانية موسعة إلى الحقول خلال الأيام القادمة، يرافقه خلالها السيد وليد يوسف، نائب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول. تهدف هذه الجولة إلى الاطلاع عن كثب على واقع حقل حيان وغيره من الحقول في المنطقة، مما يعكس جدية الدخول في مرحلة التشغيل والتقييم الفني تمهيداً لبدء الإنتاج الفعلي أو تطويره.
لم يقتصر هذا النشاط على الشركات الأوروبية فحسب، فقد قامت شركة "إي بي آر" (IPR) العالمية، المعروفة سابقاً باسم شركة بتروبراس الأرجنتينية – روكا، بزيارة ميدانية لحقول شركة "الرشيد" قبل أيام قليلة. تؤكد هذه الزيارة عودة الشركة رسمياً إلى الأراضي السورية بعد سنوات من التوقف والغياب وإعلان القوة القاهرة. كما عادت الشركة الأمريكية "جالف سانز" (Gulf Sands) إلى سوريا، وهذه المرة عبر شركتها الفرعية "دجلة" العاملة في المنطقة، حيث نفذت هي الأخرى زيارة ميدانية إلى الحقول. تشير المعطيات إلى أن المرحلة القادمة ستشهد انطلاقة جديدة للعمل تحت إشراف الشركة السورية للبترول، مما يعكس استجابة دولية لجهود الحكومة السورية الرامية لاستئناف الإنتاج وتطوير الحقول.
يُعد حقل حيان، الذي تستهدفه شركة إينا، من الحقول السورية المهمة التي جرى تطويرها في العقود الماضية. لكن التحدي الأبرز يكمن في استعادة مستويات الإنتاج التي تدهورت بشدة خلال سنوات الحرب. يرى خبراء نفطيون أن قيمة الإنتاج المتوقعة من الحقول السورية حالياً تعتمد بشكل كبير على سرعة إعادة التأهيل وجذب الاستثمارات. فبينما تحتاج سوريا إلى ما يتراوح بين 150 و200 ألف برميل يومياً لتغطية استهلاكها المحلي، لا يتجاوز الإنتاج الحالي 25-30 ألف برميل يومياً في أفضل الأحوال، ومعظمه يأتي من الحقول الشرقية التي استعادت الدولة السيطرة عليها مؤخراً.
تشير التوقعات الأولية إلى أنه في حال نجاح المفاوضات مع الشركات الأوروبية والأميركية، يمكن رفع إنتاج النفط إلى 50-60 ألف برميل يومياً خلال عام واحد، مع طموح للوصول إلى 100 ألف برميل خلال فترة تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات. أما قطاع الغاز فيُعتبر أكثر إلحاحاً، إذ تحتاج سوريا إلى حوالي 23 مليون متر مكعب يومياً لتشغيل محطات الكهرباء بكامل طاقتها، في حين أن الإنتاج الحالي لا يتعدى 10-12 مليون متر مكعب، وهو ما يفسر تفاقم أزمة الكهرباء.
يُعد التوقيت عاملاً حاسماً في هذا الحراك. فقد أدى التصعيد الأخير في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط لمستويات قياسية، حيث سجل خام برنت 117.65 دولاراً للبرميل يوم الاثنين الفائت، وهو أعلى مستوى له منذ منتصف عام 2022، بعد قفزة تجاوزت 26% في جلسة واحدة. هذا الارتفاع الكبير يمنح أي برميل نفط يُستخرج من الأراضي السورية قيمة اقتصادية هائلة، مما يغري الشركات بالمخاطرة والعودة.
ولكن، قد يكون الغاز الطبيعي هو العامل الأكثر إلحاحاً. ففي بريطانيا، أثيرت ضجة إعلامية واسعة مؤخراً حول تقارير تشير إلى أن المخزون الاستراتيجي البريطاني من الغاز لا يكفي سوى "أيام قليلة"، وسط تحذيرات من شتاء قاسٍ. ورغم النفي الرسمي للحكومة البريطانية لهذه التقارير، إلا أن تصريحاتها كشفت أن المخزون يمثل جزءاً صغيراً من مزيج الطاقة، مما يعني أن أي انقطاع في الإمدادات الخارجية سيضع البلاد في مأزق حقيقي. هذا القلق الأوروبي من شتاء بارد ونقص الغاز هو ما يفسر اندفاع الشركات الأوروبية نحو دمشق حالياً. فالغاز السوري، على الرغم من تراجع إنتاجه، يظل خياراً استراتيجياً بفضل قربه الجغرافي من الأسواق الأوروبية عبر البحر المتوسط، وقدرته على توفير بديل آمن بعيداً عن تقلبات المضائق الدولية المغلقة.
إن الانتعاش الحالي في قطاع الطاقة السوري ليس مجرد مصادفة، بل هو نتاج تداخل معقد بين العوامل السياسية والاقتصادية. فمع عودة الحقول إلى الإدارة المركزية، ورفع العقوبات تدريجياً عن المؤسسات النفطية، وارتفاع أسعار الطاقة بشكل غير مسبوق، تبدو دمشق وكأنها تتحول بسرعة إلى مركز جذب جديد لشركات النفط الكبرى. سترسم الأسابيع القادمة، خاصة مع جولات المسؤولين الفنية في حقول حيان والرشيد ودجلة، ملامح هذه الشراكة الجديدة التي قد تعيد تشكيل خارطة الطاقة في شرق المتوسط. وبينما تتسابق الشركات لترسيخ وجودها في السوق السورية، يبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه الزيارات إلى عقود إنتاج فعلية تعيد سوريا إلى مصاف الدول المصدرة للطاقة؟ الأيام القادمة وحدها ستحمل الإجابة.
سوريا محلي
سوريا محلي
اقتصاد
سوريا محلي