الإعلام في الثورة السورية: كسر احتكار المعلومة وتحديات نقل الحقيقة من الميدان


هذا الخبر بعنوان "الإعلام في الثورة السورية… كسر احتكار المعلومة ونقل الحقيقة" نشر أولاً على موقع قناة الإخبارية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، لعب الإعلام الجديد دوراً محورياً في تفكيك احتكار المعلومة الذي فرضه النظام على وسائل الإعلام التقليدية. استخدم النشطاء والصحفيون المواطنون الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي لنقل المظاهرات والأحداث مباشرة من الميدان إلى الرأي العام المحلي والدولي، ليصبح الإعلام بذلك سلاحاً كشف حقيقة النظام منذ اللحظات الأولى.
كشف الناشط الصحفي فادي الكرزي، في تصريح خاص لموقع الإخبارية، عن كواليس بدايات العمل الإعلامي مع انطلاق الثورة السورية. وأشار الكرزي إلى أن استشرافه للتغيير بدأ مع سقوط النظام المصري، مما دفعه لتأسيس منصة “ثورة أحفاد أبي العلاء المعري” على فيسبوك، والتنسيق المسبق مع وسائل إعلام معارضة.
استذكر الكرزي اللحظات الأولى للحراك في عام 2011، حيث قدم أول مداخلة هاتفية عبر قناة بردى لنقل صورة الاحتجاجات في مدينة معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي. وأوضح أن توثيق تلك اللحظات اعتمد على إمكانيات متواضعة جداً، مثل استخدام هاتف نوكيا N 73 لتصوير المظاهرات ورفع المقاطع على يوتيوب عبر إنترنت ADSL الأرضي، رغم بطئه الشديد. عمل الصحفي الكرزي في تلك الفترة على تغطية الأحداث المفصلية، بما في ذلك الحراك السلمي، تشييع الشهداء، وأولى الانشقاقات العسكرية.
أكد الكرزي في حديثه للإخبارية أن توجهه للصحافة نبع من إدراك عميق بأن الكلمة والصورة هما السلاح الأكثر فتكاً بالنظام، قائلاً: “أدركت أن الإعلام هو السلاح الذي يقتل النظام ويعريه أمام العالم فاخترت أن أكون صحفياً لنقل الحقيقة كواجب وطني”.
وصف الكرزي العمل الإعلامي في تلك الفترة بأنه كان “سيراً في حقل ألغام” نتيجة الملاحقة الأمنية وانتشار المخبرين وسهولة تحديد الهويات بسبب قلة عدد الصحفيين آنذاك، بالإضافة إلى الحصار التقني ومحاولات النظام المتكررة لقطع الكهرباء والاتصالات والإنترنت لعزل السوريين عن العالم. ورغم ذلك، شدد فادي على أن صوت الناشطين نجح في كسر العزلة، خاصة مع دخول أجهزة “الثريا” الفضائية وفتح القنوات الدولية مثل العربية والجزيرة لمنصاتها أمام الأخبار القادمة من الداخل السوري، مما وجه ضربة قاصمة لرواية النظام الرسمية.
أسهم انتشار الإعلام البديل في ظهور مبادرات إعلامية محلية، مثل التنسيقيات الإعلامية والمواقع الإلكترونية والصحف والإذاعات المحلية، إضافة إلى تأسيس اتحادات ونقابات إعلامية هدفت إلى تنظيم العمل الإعلامي وتطوير آليات التوثيق وجمع المعلومات حول الانتهاكات والأحداث. أشار تقرير صادر عام 2025 عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن التغطية الإعلامية للثورة السورية تطلبت جهوداً كبيرة من النشطاء والصحفيين الميدانيين، حيث تم توثيق أكثر من 700 ضحية في أحداث مختلفة، سقط معظمهم على يد قوات النظام البائد، إضافة إلى وجود عدد من المفقودين والمعتقلين.
واجه النظام البائد العمل الإعلامي منذ بداية الحراك الشعبي بحملات قمع واسعة، فحظر وسائل الإعلام العربية والدولية واعتمد إعلامه الرسمي لبث الروايات الدعائية، في حين لجأ الناشطون إلى وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام البديل لنقل الوقائع والأحداث. برز خلال تلك المرحلة ما يعرف بالمواطن الصحفي، الذي اعتمد على كاميرات الهواتف المحمولة والتقنيات الحديثة لنقل الأحداث رغم افتقاره في البداية إلى الخبرة الإعلامية، قبل أن تتطور أدواته وأساليبه مع اتساع الحراك الشعبي.
استهدف النظام السوري النشطاء الإعلاميين بالقتل والاعتقال والتعذيب بهدف السيطرة على المجال الإعلامي، حيث وثقت منظمات حقوقية مقتل 526 ناشطاً إعلامياً وصحفياً منذ بداية الحراك الثوري، إضافة إلى استمرار اعتقال وإخفاء قسري لـ349 إعلامياً، بينهم 38 قضوا تحت التعذيب في أقبية النظام. أجبر تصاعد الانتهاكات كثيراً من الإعلاميين على التخفي واستخدام أسماء مستعارة أو النزوح والهجرة حفاظاً على حياتهم، في حين وثقت حالات قتل فيها إعلاميون أثناء تصويرهم الأحداث أو لحظة تعرضهم للقصف أو إطلاق النار.
توسعت الانتهاكات ضد الإعلاميين مع تحول الحراك إلى ثورة مسلحة في تموز 2012، حيث بات الناشط الإعلامي هدفاً للنظام البائد الذي كان يسعى للسيطرة على المجال الإعلامي وقمع الأصوات المنتقدة. وتسببت الضربات الجوية الروسية منذ تدخلها بعام 2015 في مقتل 16 إعلامياً كانوا يوثقون آثار القصف في المناطق المحررة، وكان من بينهم خالد العيسى وباسل شحادة والناشط الإعلامي وسيم العدل الذين قتلوا أثناء تصويرهم آثار القصف في ريف إدلب.
أظهرت البيانات الحقوقية أن قوات النظام البائد مسؤولة عن نحو 91% من الانتهاكات المرتكبة بحق الإعلاميين خلال سنوات الثورة، رغم تسجيل انتهاكات أيضاً من قبل أطراف أخرى. وتعاونت وسائل إعلام عربية ودولية مع ناشطين إعلاميين سوريين للحصول على مواد مصورة من داخل البلاد، خصوصاً بعد منع مراسليها الأجانب من دخول سوريا، حيث زودهم الناشطون بالمعلومات والصور من قلب الحدث مقابل أجور محدودة وفي ظروف خطرة.
احتلت سوريا المرتبة 177 من أصل 180 دولة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2016 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، ما يعكس مستوى المخاطر والانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون والعاملون في المجال الإعلامي داخل البلاد. نصت قواعد القانون الدولي الإنساني، بما فيها المادة 79 من البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف وقرار مجلس الأمن رقم 1738، على ضرورة حماية الصحفيين المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، إلا أن تلك الحماية لم تطبق فعلياً في الحالة السورية. وأكدت الوقائع أن الصحفيين والنشطاء الإعلاميين في سوريا لعبوا دوراً أساسياً في توثيق الانتهاكات ونقل الحقيقة إلى العالم، رغم المخاطر الكبيرة التي واجهوها والضحايا الذين سقطوا خلال سنوات الثورة.
خاضت سوريا معركة إعلامية لم تقتصر على الأخبار أو الصور، بل كانت صراع وجود بين جيل آمن بحقه في المعرفة ونظام تعمد التعتيم. أعاد كسر احتكار المعلومة للسوريين امتلاك روايتهم التاريخية بأيديهم، فكان تحرراً فكرياً وليس نصراً تقنياً فقط. شهد الإرث الإعلامي على قوة الكلمة الحرة التي انطلقت من حنجرة متظاهر ووثقتها عدسة هاتف بسيط متجاوزة أضخم الترسانات العسكرية. وخلف رحيل الطغاة، نشأت صور ومؤسسات إعلامية من رحم المعاناة لتكون حارساً أميناً على ذاكرة الشعب وتطلعاته. يمنح المشهد الإعلامي السوري اليوم مساحة واسعة للتنوع، إذ أصدرت الحكومة الجديدة أكثر من 450 ترخيصاً لمؤسسات مستقلة وخاصة. استعادت الصحافة الورقية عافيتها بعودة صحف بارزة للصدور من قلب دمشق، مع مواكبة التقنيات الحديثة لتصبح سوريا سباقة في ضبط فوضى السوشيال ميديا، مما خلق توازناً بين حرية التعبير والمسؤولية الأخلاقية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة