قرار دمشق الإداري 311: حظر المشروبات الروحية يثير جدلاً حول إعادة تشكيل حياة المدينة


هذا الخبر بعنوان "منع باسم "التنظيم".. دمشق تُطفئ أنوارها بقرار إداري" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى الكاتب محمد محمود هرشو أن ما صدر من قرار إداري يحمل الرقم 311 في دمشق يتجاوز كونه مجرد تنظيم لقطاع المطاعم أو مسألة تراخيص تتعلق بالمشروبات الكحولية. بل هو، في جوهره، محاولة هادئة وحاسمة لإعادة تشكيل نمط حياة مدينة بأكملها، لتتوافق مع رؤية سلطة تعتبر نفسها وصية على سكانها لا ممثلة لهم.
في خضم انفجار إقليمي يلوح في الأفق، قد يعيد رسم ملامح المنطقة لعقود قادمة، فضّلت السلطة في دمشق خوض معركة من نوع آخر. لم تكن هذه المعركة موجهة ضد الفقر المتفاقم أو انهيار الخدمات الأساسية، بل ضد أنماط حياة الناس اليومية، وما يختارون شربه، والأماكن التي يرتادونها، وكيفية قضاء أوقاتهم.
جاء القرار بصيغة لغوية بسيطة، لكن تداعياته كانت عنيفة ومباشرة: حظر تقديم المشروبات الروحية وتحويل الملاهي الليلية إلى "مقاهٍ". هذه الجملة الواحدة كانت كافية للقضاء على قطاع اقتصادي بأكمله، مهددة آلاف العاملين واستثمارات تعود لسنوات طويلة، ونمطاً اقتصادياً قائماً بذاته، ليختفي كل ذلك فجأة دون نقاش، أو توفير بدائل، أو حتى تقديم تبرير مقنع.
تكمن الخطورة الحقيقية للقرار ليس في الحظر بحد ذاته، بل في الأسلوب الذي اتبع لتطبيقه. فقد أشيع عن وجود "استثناء" يشمل ثلاث مناطق محددة هي: باب توما، القصاع، وباب شرقي. إلا أن هذا الاستثناء، في واقع الأمر، لا يعدو كونه باباً مغلقاً كُتب عليه "مفتوح"، وذلك بسبب شرط الابتعاد مسافة 75 متراً عن أي جامع أو كنيسة أو مدرسة أو مقبرة. في مدينة عريقة كدمشق القديمة، يعني هذا الشرط عملياً استحالة حصول أي جهة على ترخيص، ليتحول المنع بذلك إلى حظر شامل، ولكن بصياغة قانونية تبدو "ناعمة".
يتجاوز الأمر هنا مجرد الحديث عن المشروبات الكحولية أو المطاعم، ليلامس فكرة أشد خطورة: تقسيم الحقوق. فالسماح بشيء في حي ومنعه في آخر، بناءً على الطابع الديني للحي، لا يمثل تنظيماً من الدولة، بل إعادة تعريف لمفهوم المواطنة ذاته. لم يعد المواطن متساوياً في حقوقه في كل مكان، بل أصبح ابن حيّ، تحكمه هويته الجغرافية، وهذا ليس تفصيلاً يمكن التغاضي عنه.
دمشق، التي لطالما كانت مدينة تتسع "للجميع" على مر تاريخها، تُدفع اليوم لتصبح مدينة "كلٌ في مكانه"، أشبه بجزر متفرقة هنا وهناك. ويبرز معيار غير معلن يحدد من يُسمح له بالعيش بطريقة معينة وفي مكان معين.
المفارقة الساخرة تكمن في التبرير المقدم للقرار: "شكاوى الأهالي". يتساءل الكاتب: أي أهالٍ هؤلاء؟ هل هم من يعيشون بلا كهرباء أو ماء أو دخل ثابت؟ هل هم من لم تُحل مشاكلهم الأساسية منذ سنوات؟ لماذا تظهر الدولة بهذه السرعة والحسم فقط عندما يتعلق الأمر بالحريات الشخصية، بينما تغيب هذه الحماسة عند معالجة قضايا كرامة الناس اليومية؟
الإجابة، وإن لم تُصرح بها، واضحة جلية: هذا ليس عملاً إدارياً، بل محاولة لفرض نموذج معين. نموذج لا يقر بتنوع دمشق، ولا يحترم تاريخها العريق، ولا يعترف بطبيعتها كمدينة منفتحة. إنه نموذج يرى في الاختلاف مشكلة، وفي تفاصيل الحياة اليومية أمراً يستدعي الضبط والتقليص، وربما إعادة التعريف بالكامل.
هنا تكمن الخطورة الجوهرية؛ فما يحدث لا يبدو قراراً معزولاً، بل جزءاً من مسار يتقدم بخطوات هادئة ومتتالية: تضييق يتبعه تضييق، حتى يتحول ما كان يعتبر طبيعياً إلى استثناء، ويصبح الاستثناء هو القاعدة. دمشق لا تُغلق أبوابها دفعة واحدة، بل يتم إغلاقها تدريجياً عبر قرارات تبدو صغيرة، لكن تداعياتها عميقة وكبيرة.
في الختام، يؤكد الكاتب على ضرورة توضيح حقيقة الأمر: هذه ليست معركة حول "الكحول" أو دفاعاً عنه. ويشير إلى أنه شخصياً لم يتذوق أي مشروب كحولي في حياته، وقد نشأ في بيئة تعتبره محرماً بشكل قاطع، ولا يزال موقفه منه مبنياً على قناعات دينية وصحية واجتماعية. ومع ذلك، فقد عاش في دمشق كما هي، حيث كان يجلس مع أصدقاء يختلفون عنه، يحتسون ما يرغبون، بينما يحتسي هو قهوته، ويضحكون معاً دون أن يشعر أي منهم بأنه وصي على الآخر. هكذا كانت دمشق، وهكذا يجب أن تبقى.
لم يعد السؤال اليوم يدور حول السماح بالمشروبات الكحولية من عدمه. السؤال الحقيقي هو: أي نوع من المدن يريدون لدمشق أن تكون؟ هل هي مدينة تتسع لجميع الناس بتنوعهم، أم مدينة تُعاد صياغتها قسراً لتناسب نموذجاً واحداً؟ القرار 311، بصوته الخافت، يقدم إجابة واضحة جداً لمن يمتلك أذنين ليسمع، وعينين ليرى، وعقلاً ليقرأ ما وراء السطور.
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة