الذكرى الـ15 للثورة السورية: إنجاز إسقاط النظام وتحديات بناء الدولة المستقبلية


هذا الخبر بعنوان "الثورة السورية في عامها الـ15: إنجاز التحرير وأسئلة المستقبل" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع حلول الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، تتجدد التساؤلات المحورية حول مدى تحقيق أهدافها: هل اكتملت غايات الثورة بسقوط النظام السابق؟ أم أن مسيرة استكمال شعارات الحرية والكرامة، التي صدحت بها حناجر السوريين في آذار/مارس 2011، لا تزال طويلة؟ لقد شهدت السنوات الماضية تحولات عميقة، توجت بإسقاط نظام حكم دام لعقود، في لحظة وصفها كثيرون بأنها مفصلية في تاريخ البلاد. إلا أن هذه اللحظة، رغم رمزيتها العالية، فتحت الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً، تتمثل في ترجمة أهداف الثورة إلى واقع سياسي واجتماعي مستقر.
سقوط النظام: إنجاز تاريخي لا يكتمل بذاته
يرى الدكتور سمير العبد الله، الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، في حديث خاص لمنصة سوريا 24، أن إسقاط النظام يمثل أحد أبرز الأهداف التي انطلقت بها الثورة، بشعارات الحرية والعدالة وإنهاء الاستبداد. لكنه يؤكد أن هذا الإنجاز لا يمثل اكتمال مسار الثورة. ويوضح أن الشعارات الأولى لم تقتصر على تغيير السلطة فحسب، بل طمحت إلى بناء دولة تحترم الإنسان وتصون حقوقه، وتؤسس لنظام سياسي قائم على المشاركة ويمنع عودة القمع. ويضيف العبد الله أن التحدي الأكبر لا يكمن في إسقاط النظام، بل في المرحلة التي تليه، فالحفاظ على مكتسبات الثورة قد يكون أصعب من سنوات الصراع ذاتها، لما يتطلبه من وعي سياسي ومجتمعي عميق يحول دون إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة.
لحظة التحول: من المستحيل إلى الواقع
من جانبه، يعتبر الباحث في الشأن السياسي محمد نذير سالم، في حديث لمنصة سوريا 24، أن سقوط النظام شكّل منعطفاً تاريخياً غير متوقع، حتى بالنسبة لشريحة من السوريين الذين كانوا قد فقدوا الأمل بإمكانية حدوثه. ويشير سالم إلى أن هذه اللحظة تحمل دلالات عظيمة، خاصة أنها جاءت في وقت كان النظام يعتقد فيه أنه حسم الصراع لصالحه، مما جعل التغيير يبدو أقرب إلى المستحيل. ويؤكد أن هذا التحول يضع السوريين أمام مسؤولية تاريخية لاستثمار هذه الفرصة في بناء دولة قائمة على القانون والعدالة، بعيداً عن الفوضى أو استنساخ أنماط الحكم السابقة.
بين الشعارات الأولى ومتطلبات الواقع
لقد رفعت الثورة السورية منذ أيامها الأولى شعارات واضحة مثل: الحرية، الكرامة، العدالة الاجتماعية، وإنهاء حكم الفرد. لكن ترجمة هذه المبادئ إلى مؤسسات وقوانين راسخة تمثل اليوم التحدي الأكبر. فالثورات، كما يوضح العبد الله، لا تُقاس فقط بمدى قدرتها على إسقاط الأنظمة، بل بنجاحها في بناء واقع أفضل من الذي قامت ضده، واقع يشعر فيه المواطن بأن صوته مسموع وحقوقه مصانة. ويحذر من أن أخطر ما قد تواجهه الثورات هو الانزلاق نحو إعادة إنتاج الاستبداد تحت مسميات مختلفة، سواء من خلال احتكار السلطة أو إضعاف مؤسسات الرقابة والمحاسبة.
كيف يمكن الحفاظ على مكتسبات الثورة؟
تتفق آراء الباحثين على أن الحفاظ على المكتسبات يتطلب خطوات عملية واضحة، تبدأ ببناء دولة مؤسسات لا ترتكز على حكم الفرد، بل على توزيع السلطات وتوازنها. ويؤكد العبد الله أن وضع دستور يحدد الصلاحيات ويمنع احتكار السلطة يمثل حجر الزاوية في أي عملية انتقالية ناجحة، إلى جانب ضمان استقلال القضاء كضامن أول للعدالة. كما يشدد على أهمية إجراء انتخابات حقيقية تعبر عن إرادة السوريين، وصون حرية التعبير التي كانت الشرارة الأولى لانطلاق الاحتجاجات. بدوره، يلفت سالم إلى ضرورة تفعيل دور البرلمان وترسيخ مبدأ المحاسبة والمساءلة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لبناء نظام سياسي صحي، بالإضافة إلى توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار.
وحدة المجتمع: شرط أساسي للنجاح
من أبرز التحديات التي تواجه المرحلة الراهنة هو الحفاظ على وحدة المجتمع السوري، في ظل الانقسامات التي خلفتها سنوات الحرب. ويؤكد العبد الله أن رفض الانتقام أو الإقصاء على أسس سياسية أو طائفية يُعد شرطاً أساسياً لنجاح أي مرحلة انتقالية، مشيراً إلى أن الثورة انطلقت من أجل كرامة جميع السوريين دون استثناء. ويضيف أن تحقيق المصالحة المجتمعية لا يعني تجاهل العدالة، بل يتطلب مساراً متوازناً يجمع بين المحاسبة وعدم الانزلاق إلى دوامة جديدة من الصراع.
الطريق إلى المستقبل
بعد مرور 15 عاماً، تقف الثورة السورية أمام اختبارها الأصعب: الانتقال من إسقاط النظام إلى بناء الدولة. فالمكسب السياسي الكبير الذي تحقق يتطلب ترسيخاً عبر مؤسسات قوية، وثقافة سياسية جديدة، وإرادة جماعية تحمي المنجزات. وبينما يرى البعض أن الثورة قد أنجزت هدفها الأهم بإسقاط النظام، يؤكد آخرون أن هذا الإنجاز ليس سوى بداية الطريق نحو تحقيق الحلم الأكبر: دولة عادلة، حرة، تحفظ كرامة مواطنيها. في المحصلة، تبدو الإجابة عن سؤال "هل تحققت أهداف الثورة؟" لا تزال مفتوحة، لكنها ترتبط بشكل مباشر بما سيُبنى في السنوات المقبلة، وبقدرة السوريين على تحويل شعارات البدايات إلى واقع مستدام، يضمن ألا تعود عقارب الساعة إلى الوراء.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة