الرقة وسرديات داعش: هل بالغ الإعلام في تصوير "سوق السبايا" و"جهاد النكاح"؟


هذا الخبر بعنوان "سوق السبايا و"جهاد النكاح": بين الوقائع والتضخيم الإعلامي في الرقة" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ سقوط مدينة الموصل واجتياح سنجار في عام 2014، برزت سردية إعلامية واسعة النطاق حول الجرائم التي ارتكبها تنظيم "داعش"، لا سيما بحق الإيزيديين، حيث وثقت تقارير دولية حالات سبي واختطاف متعددة. مع مرور الوقت، امتدت هذه السردية لتشمل مناطق سورية أخرى، منها الرقة، حتى بات الحديث عن "سوق سبايا" و"جهاد نكاح" جزءاً لا يتجزأ من الصورة النمطية المتداولة عن المدينة.
لا شك أن فترة سيطرة التنظيم على الرقة كانت من أشد المراحل قسوة على سكانها، فقد شهدت المدينة عمليات قتل علنية وأشكالاً متنوعة من الترهيب والتضييق الاجتماعي. ومع ذلك، فإن تعميم بعض الممارسات التي ثبت وقوعها في مناطق محددة، واعتبارها ظاهرة يومية علنية في الرقة، يتطلب مراجعة دقيقة تستند إلى شهادات ميدانية موثقة.
لم يكن الإعلام وحده مسؤولاً عن هذا التضخيم؛ فقد لعبت الأعمال الدرامية والأدبية دوراً كبيراً في ترسيخ هذه الصور المكثفة. على سبيل المثال، قدم المسلسل المصري "بطلوع الروح" والمسلسل السوري "شوق" سرديات عن سوق الجواري والزواج القسري. في المقابل، ركز مسلسل "ليلة السقوط" (2023) على الموصل العراقية والانتهاكات التي ارتكبها داعش بحق الإيزيديات فيها، بينما صور مسلسل "غرابيب سود" (2017) الحياة في المعسكرات بسوريا والعراق. كما ساهمت بعض الروايات الأدبية، مثل رواية الروائي الأردني أيمن العتوم، في ترسيخ صورة مبالغ فيها عن المدن السورية، وكأنها تعج بممارسات لم تحدث على أرض الواقع.
هذه الأعمال، رغم أن بعضها اعتمد على وقائع أو روايات لأشخاص عاشوا تحت حكم التنظيم، إلا أنها تكثف الأحداث بشكل كبير وتقدم صورة مبالغاً فيها عن الحياة اليومية، خصوصاً في الرقة، بما يخدم خطاب المظلومية للأقليات بعيداً عن الواقع الميداني الحقيقي.
بصفتي كنتُ موجودة في الرقة حتى آذار 2015 خلال ذروة سيطرة التنظيم، ومتابعتي لملفات إنسانية تتعلق بالمغيبين، لم أعاين وجود سوق سبايا علني داخل المدينة بالشكل الذي تم تداوله إعلامياً. الزواجات التي حدثت في تلك الفترة ارتبطت في كثير من الحالات بعوامل اقتصادية وضغوط معيشية، حيث استغل التنظيم الفقر والحاجة، وهو أمر يختلف في طبيعته عن صورة السوق العلني المنظم التي شاعت في بعض السرديات. كما أن محدودية الوصول الميداني للعديد من الجهات الدولية في تلك المرحلة أدت إلى اعتمادها على شهادات غير مباشرة، مما قد يفسر بعض التباينات في توصيف حجم الظواهر أو طبيعتها. وهذا لا ينفي وقوع انتهاكات، لكنه يدعو إلى التمييز بين الحالات الفردية المثبتة وبين تعميمها بوصفها واقعاً يومياً شاملاً.
لا يمكن قراءة هذا التضخيم بمعزل عن السياق السياسي للصراع السوري. فقد استفاد نظام الأسد من ترسيخ صورة نمطية تختزل المشهد في "سوق سبايا" و"جهاد نكاح"، ليعزز سرديته القائلة إن ما جرى في سوريا لم يكن سوى تمرد تقوده جماعات متطرفة، متجاهلاً التعقيدات الاجتماعية والسياسية الأوسع. في المقابل، وجدت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في هذه السرديات مادة تخاطب بها الرأي العام الدولي، عبر إبراز نفسها بوصفها الطرف الذي واجه أقسى ممارسات التنظيم، وهو توصيف لا يلغي جرائم داعش، لكنه في الوقت نفسه ساهم في تعميم صورة معينة عن مجتمعات بأكملها.
كذلك، نشطت خلال تلك المرحلة منصات إعلامية ومواقع إلكترونية تداولت روايات غير مدققة أو مبالغاً فيها، وبعضها أُثيرت حوله تساؤلات تتعلق بارتباطاته أو مصادر تمويله، ما جعل الخط الفاصل بين التوثيق المهني والدعاية السياسية أكثر ضبابية. إن الإشارة إلى هذا التوظيف لا تهدف إلى إنكار الانتهاكات التي وقعت، بل إلى التنبيه إلى كيفية تحوّل بعض الوقائع إلى أدوات ضمن صراع سرديات، حيث تتداخل الحقيقة مع الدعاية، ويصبح من الصعب على المتلقي التمييز بين ما هو موثق وما هو مُعاد إنتاجه لخدمة أجندات متعارضة.
إن إعادة قراءة تلك المرحلة بهدوء ومسؤولية لا تهدف إلى التخفيف من خطورة ما حدث، بل إلى ضبط السردية ضمن إطارها الواقعي، بعيداً عن المبالغة أو التعميم. فالرقة كانت مدينة تحت سلطة تنظيم متطرف، لكنها لم تتحول – وفق شهادات عديدة من سكانها – إلى الصورة الأسطورية التي رُسمت لها في بعض المنابر. ما تحتاجه الذاكرة السورية اليوم هو التوثيق الدقيق القائم على الشهادات المباشرة والمصادر المتقاطعة، لا الاكتفاء بالصور المكثفة أو المعالجات الفنية. فحفظ التاريخ مسؤولية أخلاقية، تقتضي التفريق بين الوقائع المثبتة وبين التهويل الذي قد يرافقها في سياقات إعلامية أو سياسية. الرواية المتوازنة، المستندة إلى الشهادة الميدانية، تبقى الطريق الأصدق لفهم ما جرى، بعيداً عن التوظيف أو المبالغة، وبما يحفظ كرامة الضحايا وحق المجتمعات في عرض تجربتها كما عايشتها فعلاً. ريم الناصر - زمان الوصل
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة