الجزيرة الفراتية تحتفي بالعيد: عادات متوارثة من 'حدرة العيد' إلى 'وليمة الثريد' في الذاكرة الشعبية


هذا الخبر بعنوان "من “حدرة العيد” إلى وليمة الثريد… تقاليد الجزيرة الفراتية في الذاكرة الشعبية" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا: تشهد القرى والمدن في منطقة الجزيرة الفراتية إيقاعًا فريدًا خلال أيام عيد الفطر، حيث تتجلى الاستعدادات اليومية في مزيج من الطقوس المتوارثة التي تعكس عمق المناسبة في الذاكرة الاجتماعية للسكان، وتُحيي عادات ضاربة في القدم ارتبطت بالمنطقة وأهلها على مرّ عقود طويلة. وتُعد الأعياد في الجزيرة الفراتية، شمال شرقي سوريا، مكونًا أساسيًا من الهوية الثقافية للمنطقة، إذ تتشابك فيها القيم الدينية مع العادات الاجتماعية المتوارثة. فالاحتفال بعيد الفطر لا يقتصر على الجوانب الدينية فحسب، بل يتجسد أيضًا في مظاهر اجتماعية غنية تُبرز روح التكافل وتعزيز صلة الرحم بين أفراد المجتمع.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث عايش حسين الكليب في دراسته المنشورة بمجلة التراث الشعبي، والتي تتناول تقاليد العيد في الجزيرة الفراتية، أن هذه المناسبة تُشكل حدثًا اجتماعيًا متكاملًا. فالمجتمعات المحلية هناك تحرص على صون مجموعة من العادات المتوارثة التي تضفي على العيد خصوصية وتميزًا، ما يجعلها مختلفة عن سائر البيئات السورية الأخرى.
يُشير الكليب إلى أن الاستعدادات لاستقبال العيد تنطلق قبل أيامه بعدة، حيث يحرص رب الأسرة على زيارة الأسواق للتبضع وشراء كافة مستلزمات العيد، وهي عادة تُعرف محليًا بـ "حدرة العيد". تتضمن هذه العادة شراء الملابس الجديدة للأطفال، التي يُطلق عليها "هدوم العيد"، بالإضافة إلى بعض المستلزمات المنزلية التي تتناسب مع الإمكانيات المادية لكل أسرة. وتتباين هذه التحضيرات بين المناطق الريفية والحضرية؛ ففي الأرياف، تتسم بالبساطة، حيث تنشغل النساء بتنظيف المنازل وغسل الملابس وترتيب فرش النوم المعروفة بـ "النضيدة"، وتنظيم اللحف والوسائد الصوفية، إلى جانب غسل الستائر وتطهير باحات المنازل. أما في المدن، فتكون التحضيرات أكثر تنظيمًا ودقة، إذ تُعنى الأسر بترتيب الأثاث وتجديد بعض الديكورات وطلاء المنازل أو تنظيفها بشكل شامل، فضلاً عن تجهيز غرفة الضيوف لاستقبال المهنئين.
يُعد لباس العيد من أبرز سمات الاحتفال في الجزيرة الفراتية. ففي الماضي، كان الرجال يرتدون الثوب العربي الفضفاض المعروف بالجلابية، ويُكملون زيّهم بالحطة أو الكوفية المثبتة بالعقال، بالإضافة إلى العباءة صيفًا أو الفروة شتاءً. ولا يزال هذا الزي التقليدي حاضرًا في الأرياف لدى بعض كبار السن، بينما يتجه سكان المدن نحو الملابس الحديثة كالقميص والبنطال والجاكيت. أما النساء، فكنّ يفضلن الثياب الواسعة والطويلة، التي غالبًا ما كانت تُفصّل خصيصًا لدى الخياطات. وتتزين الفتيات بالحلي التقليدية مثل "التراجي" و"المباريم"، ويستخدمن الحناء والكحل والعطور التقليدية كالمسك والقرنفل والمحلب. ومع تطور الزمن، بدأت مستحضرات التجميل الحديثة والإكسسوارات الصناعية بالانتشار، خاصة في المدن، في حين لا تزال بعض نساء الأرياف يحافظن على زينة الجدات الأصيلة.
وفقًا للكليب، من أبرز تقاليد العيد في الأرياف اجتماع الأهالي صباحًا بعد أداء الصلاة في منزل مختار القرية أو أحد وجوهها، حيث يتبادلون التهاني بعبارات مثل "عيدكم مبارك" و"يا سميع اغفر للجميع"، ويُرد عليهم بـ "أبرك الأعياد علينا وعليكم". تتبع ذلك وليمة العيد، التي تُعتبر مناسبة اجتماعية محورية، حيث تُقدم أطباق تقليدية كالأرز باللحم أو البرغل. ويبرز طبق "الثريد" كأحد أشهر الأطباق، إذ يُسكب مرق اللحم فوق الخبز ويُقدم في مناسف كبيرة. وفي بعض المناطق، يُقدم إلى جانب الثريد شراب اللبن المخفف بالماء المعروف بـ "العيران"، لا سيما في فصل الصيف. أما في المدن، فتميل الولائم إلى أن تكون أبسط، وغالبًا ما تقتصر على أفراد العائلة، مع استمرار عادة الزيارات وتبادل التهاني.
في الأرياف قديمًا، كانت ضيافة العيد تقتصر على القهوة العربية المرة، ولم تكن الحلويات والسكاكر منتشرة بشكل واسع حتى سبعينيات القرن الماضي، بحسب ما أكده الكليب. ومع مرور الزمن، تنوعت المشروبات لتشمل الشاي ومشروبات تقليدية أخرى كالتمر الهندي وقمر الدين. أما في المدن، فكانت الأسر تُعد أنواعًا مختلفة من الحلويات والمعجنات، مثل "الكليجة"، وهي أقراص عجين محشوة بالسكر والسمن وبعض التوابل، وتُخبز في التنور أو الأفران.
يتجلى الفرح بالعيد بوضوح خاص لدى الأطفال، الذين يستيقظون مبكرًا لارتداء ملابسهم الجديدة والحصول على "العيدية". كما تحرص بعض الأمهات على تزيين أيدي وأقدام بناتهن بالحناء احتفالًا بهذه المناسبة السعيدة. وفي الأرياف، كان الرجال ينظمون مسابقات للرماية أو سباقات للخيل تُزين بالأسرجة والأقمشة الملونة، بينما يفضل سكان المدن قضاء أوقاتهم في المقاهي أو الحدائق أو دور السينما.
منوعات
سوريا محلي
سوريا محلي
ثقافة