السيطرة الاقتصادية والقمع: كيف استخدم النظام البائد الحصار والأتاوات ضد الثورة السورية


هذا الخبر بعنوان "من الحصار إلى الأتاوات… أدوات النظام البائد الاقتصادية لقمع الثورة السورية" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
اعتمد النظام البائد على الاقتصاد كأداة محورية للسيطرة والقمع الشامل، مستهدفاً المواطنين والتجار ورجال الأعمال المعارضين له. لقد حوّل النظام سبل العيش الأساسية إلى وسائل للضغط والابتزاز، وفرض حصاراً خانقاً وقطع الإمدادات الضرورية، مما أدى إلى إخضاع المجتمع لمنظومة اقتصادية تتسم بالخوف والتبعية.
لم تقتصر أدوات السيطرة على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل امتدت لتشمل ممارسات ممنهجة من قبل أجهزة النظام البائد المختلفة. تضمنت هذه الممارسات المصادرة والاعتقال والتعذيب والابتزاز المالي، بالإضافة إلى فرض الأتاوات واحتكار العقود. هذه الإجراءات أسهمت في ترسيخ اقتصاد فاسد يعتمد على المحسوبية ويقصي المنافسة، مما أدى إلى تفكيك البنية الاقتصادية للدولة لصالح شبكات مرتبطة بالسلطة.
يروي الصناعي أحمد الصياد تجربته المريرة قائلاً: "بعد أن أنفقت جهداً ومالاً كبيراً على إنشاء معملي، وجدت نفسي مضطراً لبيعه بأقل من قيمته الحقيقية، وذلك لعدم قدرتي على تحمل الضغوط الهائلة التي كنت أتعرض لها". وأشار الصياد إلى الإجراءات القمعية التي فرضتها أذرع النظام البائد خلال فترة الثورة السورية، والتي دفعته إلى إيقاف عمله ومغادرة البلاد متجهاً إلى دولة الإمارات، حيث بدأ مسيرته الصناعية من جديد.
وأوضح الصياد أنه أسس معمله عام 2005 بتكلفة بلغت حوالي 680 ألف دولار. بدأت معاناته في عام 2012 مع انتشار الحواجز وفرض الأتاوات، بالإضافة إلى التهديدات الأمنية واستدعاءات الأفرع الأمنية. وأضاف أن هذه الضغوط، إلى جانب التحديات الاقتصادية مثل صعوبة تأمين المواد الأولية، والانقطاع المستمر للكهرباء، وارتفاع الضرائب، وصعوبات التسويق، أجبرته على بيع المعمل بمبلغ زهيد قدره 33 ألف دولار ومغادرة البلاد.
من جانبه، يصف رائد الأعمال ماهر حسام الدين معاناته قائلاً: "عشت وعملت في سوريا لسنوات طويلة وأسست مشاريع تقنية وتجارية، لكن المضايقات والقيود الأمنية المتزايدة حدّت من قدرتي على تطوير مشاريعي بحرية، وجعلت الاستمرار في العمل أمراً بالغ الصعوبة". ونتيجة لهذه الظروف، قرر حسام الدين نقل أعماله إلى سلطنة عمان، حيث واصل تطوير مشاريعه في قطاع التكنولوجيا وريادة الأعمال.
لم يقتصر استخدام الاقتصاد كأداة قمع على استهداف الصناعيين والتجار فحسب، بل امتد ليشمل المناطق الثائرة أيضاً. هناك، استُخدم الاقتصاد كوسيلة لتجويع السكان من خلال محاصرتهم وقطع طرق إمدادهم بالمواد الغذائية الأساسية. يستعيد موفق خبية، أحد سكان مدينة دوما في ريف دمشق، ذكريات صعبة عن سنوات الحصار، مشيراً إلى أن الفترة الأكثر كارثية كانت بين عامي 2013 و2014، وذلك بسبب إحكام النظام البائد سيطرته على المنافذ المؤدية إلى دمشق وريفها.
وأوضح خبية أن قطع الطرق بشكل كامل أدى إلى انعدام المواد الغذائية الأساسية والمحروقات، مما دفع السكان إلى اللجوء للزراعة المنزلية لتعويض جزء من احتياجاتهم الغذائية.
أكد الخبير الاقتصادي سليمان شعبان أن النظام البائد استخدم الاقتصاد كأداة ضغط من خلال آليات متعددة، تضمنت العقوبات الداخلية، والتحكم بالموارد الأساسية، وإعادة تشكيل البنية الاقتصادية لدعم شبكات مرتبطة بالسلطة. وأضاف أن الحصار الطويل أدى إلى ارتفاع الأسعار ونقص حاد في المواد الأساسية.
ولفت شعبان إلى أن هذه السياسات الاقتصادية لم تنجح بشكل كامل في تحقيق السيطرة المطلقة، وذلك بفضل ظهور اقتصاد بديل يعتمد على شبكات تهريب وأسواق موازية، بالإضافة إلى دعم المنظمات الأممية والدولية لبعض المناطق، ومرونة المجتمعات المحلية في التكيف. وأوضح أن ذلك أثر سلباً على الاقتصاد الوطني ككل، مسبباً انهيار العملة وارتفاع معدلات الفقر.
وأشار شعبان إلى أن هذه السياسات عمّقت الانقسام الاجتماعي، مصرحاً: "تم توظيف الاقتصاد كوسيلة ضغط وإخضاع، لكن الحدود العملية لهذه السياسات كانت واضحة، مما ساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية على مستوى البلاد".
من جهته، أكد الباحث الاقتصادي والصناعي عصام تيزيني أن السياسات الاقتصادية المتبعة في فترة النظام البائد، بما في ذلك قوانين تمويل المستوردات والقوانين المجحفة المتعلقة بحماية المستهلك، أدت إلى نفور وهجرة أعداد كبيرة من الصناعيين خارج البلاد. وأشار تيزيني إلى أن التحول الحالي من اقتصاد مغلق إلى اقتصاد مفتوح يتيح الفرصة لعودة هؤلاء الصناعيين والمستثمرين لدعم الاقتصاد الوطني.
تتضح من خلال شهادات الصناعيين ورواد الأعمال وذكريات الحصار، صورة مرحلة استخدم فيها الاقتصاد كأداة متعددة الأوجه للضغط والسيطرة، مخلفة آثاراً عميقة على البنية الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، فإن المرحلة الجديدة التي دخلتها سوريا بعد التحرير تفتح باب الأمل بتجاوز هذه التحديات، مع وجود فرص للتعافي وإعادة البناء على أسس أكثر استقراراً وعدالة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة