رؤية ترامب للعالم: تفكيك التحالفات وإعادة صياغة الهيمنة


هذا الخبر بعنوان "العالم في مرآة ترامب: بلاغة القوة في زمن التحوّل" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى الدكتور سلمان ريا أن التصريحات الأخيرة لدونالد ترامب تتجاوز كونها مجرد خطاب سياسي عابر، لتشكل تعبيراً مكثفاً عن مرحلة انتقالية حاسمة في هيكلية النظام الدولي. فما قد يبدو تناقضاً ظاهرياً في أقواله، من دعوته لتقاسم الأعباء، وهجومه على حلف شمال الأطلسي، وصولاً إلى انفتاحه على إشراك الصين في تأمين مضيق هرمز، ليس سوى تجلٍّ للبحث عن معادلة جديدة للقوة. هذه المعادلة، وإن كانت لا تتخلى عن مبدأ الهيمنة، إلا أنها تسعى لإعادة تعريف تكلفتها وحدودها.
يتراجع في صميم هذا الخطاب مفهوم "الضامن الكوني" الذي ميز سلوك الولايات المتحدة لعقود طويلة، ليحل محله نموذج أكثر واقعية وعملية. هذا النموذج يقوم على قيادة لا تعتمد على الاحتكار، بل على توزيع الأعباء والمسؤوليات. فعندما يُطلب من الدول المستفيدة من الممرات الملاحية الحيوية أن تضطلع بمسؤولية الدفاع عنها، فإن هذا لا يُطرح كخيار، بل كتصحيح لخلل هيكلي قائم في ميزان الالتزامات الدولية.
لكن هذا التصحيح لا يخلو من مفارقة عميقة؛ فالتشكيك في بنية التحالفات القائمة، بالتزامن مع الإقرار بالحاجة إليها، يكشف عن توتر جوهري في مفهوم القيادة بحد ذاته. يطرح هذا التساؤل: هل تُبنى القوة على التفرد والسيطرة المطلقة، أم على التعاون ضمن شبكات معقدة؟ في هذا السياق، لا يسعى الخطاب إلى تفكيك التحالفات بقدر ما يهدف إلى إعادة التفاوض على شروطها، مقدماً الولاء كقيمة مقابل الكلفة المادية والأمنية.
أما فيما يخص الانفتاح على إشراك الصين، التي تُعد خصماً استراتيجياً، في مهمة تأمين شريان الطاقة العالمي، فإن ذلك يحمل دلالة أعمق بكثير. إنه اعتراف ضمني بأن مراكز الثقل العالمية لم تعد محصورة ضمن قطب واحد. ومع ذلك، يبقى هذا الاعتراف مشروطاً، حيث يسعى إلى تحويل الاعتماد الاقتصادي المتبادل إلى التزام أمني، بهدف دمج المنافس ضمن منطق النظام الدولي بدلاً من تركه خارجه.
في المقابل، يكشف تبسيط مدة الحرب المحتملة إلى أسابيع معدودة عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. فالحروب المعاصرة لم تعد تُقاس بمدتها العسكرية فحسب، بل بآثارها الاقتصادية والتقنية الواسعة، وبقدرتها على استدعاء أطراف فاعلة غير مرئية. يبدو الخطاب في هذه النقطة كأداة لضبط التوقعات أكثر منه وصفاً دقيقاً لما يجري على الأرض.
بهذا المعنى، لا تحمل تصريحات ترامب تناقضات بقدر ما تعكس تحولاً من منطق السيطرة المباشرة إلى استراتيجية الإدارة غير المباشرة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تقليل التكاليف، وتوسيع هامش المناورة، وإعادة توزيع المخاطر. إنها محاولة لإعادة إنتاج مفهوم القيادة في عالم لم يعد يتقبل القيادة الأحادية، مع الحفاظ على الامتيازات المرتبطة بها.
ليست المسألة، إذاً، في مدى صدقية هذه التصريحات أو تباينها، بل فيما تكشفه من حقيقة أن النظام الدولي لا يُعاد تعريفه من خلال الحروب وحدها، بل عبر اللغة والخطاب الذي يسبقها. وما يُقال اليوم، مهما بدا متقلباً أو عابراً، قد يمثل الصيغة الأولية لعالم جديد تُصاغ قواعده حالياً، على إيقاع توازن دولي هش وصدام محتمل مؤجل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة