«الغابة السوداء» لمازن عرفة: رواية تكشف كوابيس الحرب السورية وصدمة المنفى النفسية


هذا الخبر بعنوان "“الغابة السوداء”.. كوابيس الحرب السورية في المنفى" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في روايته «الغابة السوداء»، يقدم الروائي مازن عرفة رؤية متعمقة لتجربة اللاجئ السوري، متبنياً أسلوباً مغايراً للعديد من الأعمال التقليدية التي تتناول الحرب. لا تقتصر الرواية على سرد قصة شخص فرّ من ويلات الحرب، بل تتعمق في استكشاف الصدمة النفسية والكوابيس التي تلازم الوجود بعد فقدان الوطن، محولةً الغربة الجغرافية إلى غربة داخلية لا تقل قسوة عن معاناة الحرب ذاتها.
يشير عنوان الرواية إلى منطقة بفورتسهايم، وهي مدينة تقع في شمال غربي مقاطعة بادن فورتمبيرغ جنوبي ألمانيا، حيث يعيش بطل الرواية، وهو لاجئ سوري يعاني مما يُعرف علمياً باضطراب صدمة الحرب. يستيقظ البطل في مدينة غريبة وآمنة، فاقداً للذاكرة، وسط مجتمع يتسم بالبرود العاطفي مقارنة بالدفء الشرقي الذي اعتاده، مما يثير في داخله هواجس وذكريات تتشابك مع الهلوسات والكوابيس. عبر هذه اللحظات المتداخلة بين الواقع والخيال، تأخذ الرواية قراءها في رحلة نفسية وفلسفية عميقة داخل الأحلام والذكريات.
تنقل الرواية عالم اللاجئ الذي يجد نفسه معلقاً بين الحاضر والماضي، ويعاني من نسيان يتداخل مع ذكريات مؤلمة عن عائلته، بيته، وحياته في بلده قبل اندلاع الحرب. هذا التداخل بين الماضي والحاضر يظهر في فصول عديدة كتمثيل لحالة السوريين الذين يعيشون في المنافي، حيث الجسد يعيش في الغربة، بينما الذاكرة تظل راسخة في الوطن.
تتمحور الأحداث حول الراوي الذي يفر من داريا بعد علمه بأن المخابرات تبحث عنه، ليجد نفسه في منتجع صحي بألمانيا، حيث يشخصه طبيبه باضطراب ما بعد الصدمة. الأصوات الداخلية والخارجية التي يسمعها، والكوابيس المتكررة، تحول الرواية إلى رحلة استكشاف للذاكرة المبعثرة والفقدان الجماعي.
تتخلل الأحداث شبكة من العلاقات العابرة مع شخصيات ثانوية، مثل ليليان ومارك وألفريدا وأندريا، وكلها تعكس جوانب مختلفة من تجربة اللاجئ السوري في مجتمع غربي غريب، مع بقاء الراوي محوراً رئيسياً للحكاية.
في هذا السياق، تتجاوز «الغابة» كونها مجرد مكان، لتتحول، كما اسمها، إلى رمز للظلام الداخلي والكوابيس المستمرة، وللصدمة الثقافية التي يواجهها المهجر في مجتمع غربي، حيث يشعر بفجوة عاطفية بين ما عاشه وما يعيشه. هذه الغابة، رغم سوداويتها، تحمل في طياتها حضوراً للحياة أيضاً، بما فيها من مدن وأناس وحكايات، لتصبح بذلك مرآة لتجارب عديدة يعيشها من فقد وطنه بسبب الحرب في سوريا.
بهذا، يقدم مازن عرفة في «الغابة السوداء» نصاً معاصراً يتناول تجربة الاغتراب النفسي بعد الحرب، أكثر من كونه وصفاً واقعياً لأحداث النزوح. كما تتحول الرواية إلى مرآة للعقل المثقل بالذكريات والكوابيس، في اللحظة التي يفقد فيها الإنسان وطنه وذاكرته وأمانه في آن واحد.
مازن عرفة هو كاتب وباحث سوري من مواليد عام 1955، يحمل إجازة في الآداب، قسم اللغة الفرنسية من جامعة «دمشق»، وحصل على دكتوراه في العلوم الإنسانية، قسم المكتبات، من جامعة «ماري كوري» في بولندا. له مجموعة من الأعمال الروائية والمطالعات الفكرية، منها رواية «وصايا الغبار» الصادرة عام 2011، و«الغرانيق» عام 2017، إضافة إلى مؤلفات فكرية وثقافية بارزة مثل «سحر الكتاب وفتنة الصورة» و«تراجيديا الثقافة العربية».
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة