فخ التعميم الإعلامي والنفسي: رحلة من الإسكندرية إلى باريس تكشف كيف نضلل أنفسنا


هذا الخبر بعنوان "نحن نشارك في تضليل أنفسنا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كان الكاتب أحمد عسيلي يخطط لقضاء الأسبوع الأخير من رمضان وعيد الفطر هذا العام مع عائلته في سوريا، لكن إلغاء رحلات الطيران المتجهة إلى دمشق وبيروت حال دون ذلك. وجد الحل في السفر إلى الإسكندرية، مدينته المفضلة، لقضاء العيد هناك. ومع ذلك، اعترته بعض الترددات، إذ أثارت قراءاته على وسائل التواصل الاجتماعي حول سوء معاملة السوريين في مصر قلقًا لديه، خاصة وأنه كان يبحث عن الراحة والاطمئنان بعيدًا عن أي توتر.
لكن شغفه بهذه المدينة وتعلقه بها غلبا في النهاية، فسافر إلى مصر رغم كل التحذيرات التي طالعها. واليوم، وبعد أن أمضى قرابة الأسبوع الأول من إقامته، يؤكد بثقة أن أجواء المدينة لم تتغير؛ فما زالت تتمتع باللطف ذاته، والروح المرحة عينها، والاستقبال الذي عُرفت به الإسكندرية منذ زيارته الأولى لها عام 1997. يتساءل الكاتب: لماذا ترددت إذًا؟
هنا، يجد نفسه مضطرًا للاعتراف بوقوعه في خطأ نفسي شائع، رغم معرفته المسبقة به. هذا الخطأ لا يتعلق بالمعلومات بقدر ما يرتبط بطريقة عمل الذهن نفسه، وهي آلية تعميم صورة جزئية وتحويلها إلى حكم شامل. ولعل ما عزز هذا التردد هو أنه لم يكن يتعامل مع فكرة مجردة، بل مع صور محددة، متكررة، ومشحونة عاطفيًا، مثل صورة بعض السوريين مكبلين أمام السفارة في القاهرة، ومقاطع فيديو، ومئات المنشورات على منصات التواصل الاجتماعي. كل هذه المواد كانت توحي بواقع مختلف، وبوجود توتر في التعامل مع السوريين، وبأن الأمور قد تغيرت كثيرًا. هذه الصور ليست كاذبة، لكنها كانت كافية لصنع انطباع عام، وكأنها تمثل الواقع برمته.
ليست هذه المرة الأولى التي يواجه فيها الكاتب هذه المفارقة. يتذكر جيدًا فترة مظاهرات "السترات الصفراء" في فرنسا، حين كانت بعض القنوات ووسائل التواصل تنقل مشاهد عنف وحرائق في شوارع باريس. يومها، تلقى اتصالات من أصدقاء وأقارب يسألون بقلق عن حاله، وكأنه يعيش في مدينة تغرق بالفوضى. والحال أن تلك المشاهد، رغم صحتها، كانت محصورة في شوارع محددة، وفي أوقات محدودة، ولم تكن تعكس واقع المدينة ككل. ففي أثناء تلك الأحداث، كان الجميع يعمل كالمعتاد، وتجري الحياة اليومية بشكل طبيعي، بل إن بعض المرضى الذين كانوا يترددون على عيادته، الغارقين في تفاصيل حياتهم اليومية ومشاغلهم، لم يكونوا على علم أصلًا بحراك "السترات الصفراء" تلك، فهناك الكثير من الفرنسيين (كغيرهم من الشعوب) الذين لا يهتمون بالسياسة.
تكرر الأمر ذاته في سياقات أخرى. يذكر هنا، على سبيل المثال، عرض بعض القنوات المصرية، في إحدى الفترات، صور خيام على أطراف باريس يسكنها بعض المهاجرين، أو مشاهد لتوزيع الطعام المجاني في الشوارع من قبل جمعيات خيرية، لتقدم هذه الصور وكأنها تعكس "حال الفرنسيين اليوم". صور حقيقية، نعم، لكنها مقتطعة من سياقها، ومحمّلة بتعميم يتجاوزها بكثير، فهي تخص أطرافًا محددة من المدينة وعددًا محدودًا من الناس.
المشكلة إذًا لا تكمن في الصورة بحد ذاتها، بل في طريقة معالجتنا لها. فالصورة تلتقط لحظة، بينما يميل الذهن إلى تحويلها إلى حالة، بل أحيانًا إلى واقع كامل. هنا، لا نكون فقط ضحايا خطاب إعلامي قد يكون موجّهًا أو انتقائيًا (وهو كذلك في كثير من الحالات)، بل شركاء في إنتاج المعنى الذي نحمله عنها، وبمعنى أدق، نحن نسهم في تضليل أنفسنا.
الأكثر إرباكًا هو أن الكاتب، رغم مشاركته في جلسات علمية ونفسية تناولت هذه الآليات، ونقاشه هذا الأمر مع مختصين بارزين في فرنسا، سواء من الناحية العلمية الطبية، أو آلياتها النفسية، وجد نفسه يقع فيها. كأن المعرفة لا تكفي لتعطيلها، أو كأن شيئًا في طريقة اشتغال الذهن يسبقها دائمًا. فالأمر لا يتعلق بجهل يمكن تصحيحه، بل ببنية أعمق، حيث لا تكون الذات، كما يقول فرويد، "سيدة في بيتها"، بل خاضعة لآليات تفرض اختزال الواقع قبل أن تمنحنا فرصة لفهمه.
من هذا المنظور، يمكن فهم التعميم لا كخطأ عابر في الحكم، بل كآلية نفسية راسخة. فالذهن، في سعيه إلى تقليل التعقيد، يميل إلى اختزال الواقع في صور بسيطة قابلة للاستيعاب. ما نراه يتحول بسرعة إلى ما "نعتقد أنه الحقيقة"، لا لأننا ساذجون، بل لأننا غير قادرين دائمًا على تحمل التعدد والتناقض في الواقع. هنا، تأخذ الصورة مكان التفكير، ويحلّ الانطباع محل التحليل.
بهذا المعنى، تتحول الصورة إلى نقطة التقاء بين عرض انتقائي للواقع، واستعداد نفسي لتلقيه بوصفه حقيقة كاملة. فالصورة لا تفرض معناها من تلقاء نفسها، بل تجد فينا قابلية لاستقبالها بهذه الطريقة، وأحيانًا كثيرة رغمًا عنا.
التحدي الحقيقي هنا لا يكمن في الشك بكل ما نراه، بل في استعادة القدرة على التمييز بين الجزء والكل، وعلى إعادة إدخال الصورة في سياقها الأوسع. فليس المطلوب أن نرفض الصور، بل أن نقاوم إغراءها حين تدّعي أنها تختصر العالم، لأن ما نراه في النهاية ليس الواقع، بل جزء منه، وغالبًا ما يكون جزءًا مجهريًا، وله حيثيات كثيرة لا نعلمها. والخطأ لا يبدأ حين تُلتقط الصورة، بل حين نصدق أنها كل الحكاية.