فيضانات الخابور المتكررة تغرق مئات المنازل بالحسكة وتفاقم معاناة النازحين


هذا الخبر بعنوان "فيضانات الخابور تغمر مئات المنازل بالحسكة.. نزوح وتحذيرات" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت مدينة الحسكة موجة فيضانات جديدة، لا تزال مستمرة، نتيجة الارتفاع الكبير في منسوب نهر الخابور. وقد أدت هذه الموجة إلى غمر مئات المنازل في الأحياء المتاخمة لمجرى النهر، مما أجبر مئات العائلات على النزوح للمرة الثانية خلال أقل من شهر، وسط تحذيرات متواصلة من استمرار المخاطر في حال تواصل الهطولات المطرية.
تركزت الأضرار بشكل رئيسي في الأحياء المحاذية للنهر، مثل المريديان، النشوة الشرقية، الليلية، غويران، والعزيزية. حيث فاضت مياه الخابور على ضفتيه وغمرت سرير النهر بالكامل، قبل أن تمتد إلى داخل الأحياء السكنية، مخلفة وراءها مشاهد واسعة من الدمار والخسائر المادية.
تأتي هذه الموجة الجديدة من الفيضانات بعد أيام قليلة فقط من موجة سابقة ضربت المنطقة في 16 آذار، والتي دفعت الأهالي حينها إلى مغادرة منازلهم، قبل أن يعود بعضهم خلال فترة العيد على أمل استقرار الأوضاع. إلا أن ارتفاع منسوب المياه مجددًا تسبب بموجة نزوح أخرى، في مشهد يعكس هشاشة الوضع الإنساني.
إسماعيل محمد (45 عامًا)، أحد سكان حي النشوة الشرقية، روى تجربته قائلاً: "خرجنا من منزلنا قبل أيام بسبب الفيضان الأول، وعدنا في العيد لنجد الأمور أفضل قليلاً، لكن المياه عادت بسرعة مساء أمس، ودخلت إلى المنزل بشكل مفاجئ. لم نتمكن من إخراج سوى القليل من الأغراض، وغادرنا مرة أخرى تحت ضغط المياه".
وأضاف محمد أن المياه وصلت إلى مستوى مرتفع داخل المنزل، ما تسبب بتلف الأثاث والأجهزة الكهربائية، مشيرًا إلى أن "الخسارة ليست فقط مادية، بل نفسية أيضًا، لأننا لا نعرف متى سنتمكن من العودة بشكل آمن".
وفي حي الميرديان، روت شهلة أحمد (38 عامًا) معاناتها بعد أن غمرت المياه منزلها: "بقينا داخل المنزل لساعات بينما المياه ترتفع من حولنا، حتى أصبحت محاصرة بالكامل. الأطفال كانوا خائفين، ولم نستطع الخروج إلا بعد وصول فرق الطوارئ التي ساعدتنا على الإجلاء. هذه ليست المرة الأولى، لكن هذه المرة كانت أصعب". وأشارت إلى أن عائلتها تقيم حاليًا في مركز إيواء مؤقت، وسط ظروف صعبة، مضيفة أن "العودة إلى المنزل أصبحت مخاطرة حقيقية".
في ظل تفاقم الوضع، أعلنت فرق الهلال الأحمر العربي السوري مشاركتها في عمليات إجلاء العائلات المتضررة، خاصة في حي الميرديان، حيث دخلت المياه إلى عدد كبير من المنازل. وأكدت أن فرقها نقلت الأسر إلى مناطق أكثر أمانًا، مع تجهيز مركز إيواء في مدرسة حسن خميس، وتأمينه بالمستلزمات الأساسية من فرشات وبطانيات، إضافة إلى نشر فرق الإسعاف للتعامل مع الحالات الطارئة. وتأتي هذه الجهود بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في إطار استجابة إنسانية مستمرة تهدف إلى تخفيف معاناة المتضررين.
من جانبها، كثفت فرق الدفاع المدني ووزارة الطوارئ وإدارة الكوارث من عملياتها الميدانية، خصوصًا في ناحية تل حميس، حيث أرسلت آليات ثقيلة وفرقًا متخصصة للعمل على فتح قنوات تصريف المياه وإنشاء سواتر ترابية، للحد من تدفق المياه نحو الأحياء السكنية.
تشير التقديرات الأولية إلى تضرر نحو 400 منزل في مدينة الحسكة وريفها نتيجة الفيضانات، فيما أُجبرت قرابة 500 عائلة على النزوح إلى مناطق أكثر أمانًا. وفي بلدة تل حميس شمال شرقي الحسكة، غمرت المياه نحو 400 منزل بشكل شبه كامل، نتيجة الأمطار الغزيرة المتواصلة منذ اليوم الثاني من العيد، ما دفع العديد من العائلات إلى اللجوء لمنازل أقاربها أو مراكز إيواء مؤقتة.
ويزيد من حجم الأضرار طبيعة البناء في هذه المناطق، إذ إن معظم المنازل مشيدة من الطوب اللبن، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للانهيار والتلف عند تعرضها للمياه لفترات طويلة.
في ضوء هذه الأزمة، يبرز عامل يسهم في تفاقم الأضرار، وهو انتشار البناء العشوائي في حرم نهر الخابور، وهي مناطق يُمنع البناء فيها قانونًا. وفي هذا السياق، أوضح المهندس المعماري محمد العبد الله، أن "جزءًا كبيرًا من المنازل المتضررة اليوم يقع ضمن سرير النهر أو في حرم الخابور، وهي مناطق مصنفة خطرة وغير صالحة للسكن".
وأضاف أن "القوانين التنظيمية في سوريا تمنع البناء ضمن هذه المناطق بشكل صارم، نظرًا لاحتمال تعرضها للفيضانات، لكن خلال سنوات الحرب، شهدت هذه المناطق توسعًا عمرانيًا عشوائيًا نتيجة غياب الرقابة وازدياد الحاجة إلى السكن". وأشار إلى أن "ما يحدث اليوم هو نتيجة مباشرة لهذا التوسع غير المنظم، حيث لم تُراعَ المعايير الهندسية ولا شروط السلامة، ما يجعل هذه المنازل عرضة للغمر والانهيار مع أي ارتفاع في منسوب المياه".
وحذر المهندس العبد الله من أن "استمرار البناء في هذه المناطق، دون حلول جذرية، سيؤدي إلى تكرار الكارثة مستقبلاً، خاصة في ظل التغيرات المناخية وزيادة شدة الهطولات المطرية".
تعكس فيضانات الخابور في الحسكة تداخل عوامل طبيعية وبشرية في تفاقم الأزمة؛ فمن جهة، أسهمت الأمطار الغزيرة والسيول في رفع منسوب المياه، ومن جهة أخرى، أدى البناء العشوائي وضعف البنية التحتية إلى مضاعفة الأضرار. ومع استمرار المخاوف من موجات فيضان جديدة، تبقى مئات العائلات في حالة ترقب، بين العودة إلى منازل غير آمنة أو البقاء في مراكز الإيواء، في ظل الحاجة إلى حلول مستدامة تعالج جذور المشكلة، وليس فقط تداعياتها.
فيما يشير المهندس العبد الله إلى أن هذه الأزمة تؤكد هشاشة الواقع الخدمي والعمراني في المدينة، وضرورة إعادة النظر في سياسات التخطيط العمراني، خصوصًا في المناطق القريبة من مجاري الأنهار، لضمان عدم تكرار مثل هذه الكوارث في المستقبل.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي