خطة إعمار دمشق الشرقية: 21 مليار دولار لتجميل المدينة و"تهجير مقنع" على حساب عودة الأهالي.. هل تتعلم سوريا من تجربة تركيا؟


هذا الخبر بعنوان "الأحياء الشرقية بدمشق: خطة إعمار بـ21 ملياراً.. خسارة مزدوجة بين شروط الاستثمار وتجربة تركيا" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الحلقة الثانية من هذا التحقيق، نكشف عن وجه آخر لخطة إعمار الأحياء الشرقية بدمشق، ربما يكون الأخطر: التخطيط العمراني الذي يحوِّل الأحياء المنكوبة إلى ورشة لتجميل دمشق، على حساب حق أهاليها في العودة إلى مساكنهم. يصف مراقبون هذا المشهد بأنه "تهجير جديد وتغيير ديموغرافي" مقنع تحت شعار "الاستثمار".
في الحلقة الأولى، استعرضنا مشهدين متناقضين لإعادة الإعمار: الأول في تركيا، حيث تحملت الدولة وحدها تكلفة إعادة بناء ما دمرته الطبيعة، من خلال التأمين الإلزامي والمنح الحكومية والقروض الميسرة، دون مطالبة المواطن بدفع ليرة واحدة. أما المشهد الثاني، في الأحياء الشرقية بدمشق – جوبر، القابون، حي تشرين – حيث لا تزال آلاف العائلات تنتظر العودة إلى منازلها المدمرة منذ أكثر من سبع سنوات. تفاجأت هذه العائلات بخطة استثمارية بقيمة 21 مليار دولار تحمل شروطاً تعجيزية: دفع نصف تكلفة إعادة البناء لمن يملك منزلاً، وتحويل عقارات "الطابو الزراعي" إلى حصص سكنية لا تتجاوز 25-30% من مساحة الأرض الأصلية، مع مضاعفة الخسارة في البيوت المتعددة الطوابق والملاك.
وفقاً للمعلومات المتوفرة عن المخططات التنظيمية الجديدة التي أعدتها محافظة دمشق للمنطقة الممتدة من باب شرقي إلى حدود برزة، ووفقاً لتصريحات محافظ دمشق، فإن النسبة المخصصة للمرافق العامة والخدمية تجاوزت كل المعايير المعمول بها في المناطق السكنية المماثلة بدمشق. فبدلاً من تخصيص المساحات الأكبر للسكن العائد للأهالي، خُصصت مساحات شاسعة لمشاريع ضخمة:
يؤكد مراقبون ومتضررون أن هذه المرافق، على أهميتها، يمكن إنشاؤها في مناطق أخرى من دمشق، أو في الضواحي الجديدة. لكن تخصيصها داخل الأحياء الشرقية المدمرة، على حساب المساحات السكنية، يعني أن المواطن الذي كان يملك منزلاً متواضعاً سيحصل على مساحة سكنية أقل بكثير مما كان يملك، أو سيدفع إلى مناطق أبعد. يقرأ البعض في هذه المخططات محاولة لتغيير الطابع الديموغرافي للمنطقة، تحت غطاء "التطوير الحضري" و"تحسين الخدمات".
في جوبر والقابون وحي تشرين، لم يعد الأهالي يبحثون عن مجمعات تجارية أو كراجات ضخمة أو مساجد فخمة أو حدائق عامة مترامية الأطراف. كل ما يبحثون عنه هو شيء واحد: أن يعودوا إلى منازلهم، أن يأووا إلى مساكنهم التي خرجوا منها قسراً منذ أكثر من عشر سنوات. عائلات كثيرة لا تزال تعيش في أماكن نزوحها، تدفع إيجارات باهظة استنزفت مدخراتها. أسر أخرى هاجرت خارج البلاد وتنتظر فرصة العودة. هناك من فقد أحباءه أو منزله كلياً.
تتساءل هذه العائلات وهي تتابع الحديث عن الخطة الاستثمارية الـ21 ملياراً، وتسمع عن الكراجات والمشافي والحدائق: "أين منزلنا؟ أين حقنا في العودة إلى ما كان لنا؟ لماذا تتحول أحياؤنا المدمرة إلى ورشة لتجميل دمشق، بينما نحن ننتظر في العراء؟". يرى الأهالي أن التجميل والمرافق العامة يجب أن تكون في مناطق أخرى، وليس في المناطق التي تعاني من جرح مفتوح لم يندمل. إن وضع هذه المرافق الضخمة في قلب الأحياء المنكوبة يشبه وضع الماكياج على جرح ملتهب بدلاً من علاجه، وهو إهانة إضافية لأهالي المناطق الذين دفعوا أثماناً باهظة.
في تركيا، بعد زلزال شباط 2023، قامت فلسفة إعادة الإعمار على مبدأ "التحويل في المكان" (Yerinde Dönüşüm) الحقيقي: أي إعادة بناء المنازل المدمرة في مواقعها نفسها، مع تحسين مواصفاتها لمقاومة الزلازل، دون تقليص المساحات السكنية، ودون تحويل المنطقة إلى ورشة خدمية ضخمة. تحملت الدولة التكلفة كاملة، وتم تسليم المنازل الجديدة للمتضررين مجاناً، مع تعويضات نقدية سريعة من صندوق التأمين الإلزامي.
في دمشق، تقدم المخططات الجديدة نموذجاً مغايراً: "التحويل في المكان" هنا يعني تحويل المنطقة إلى منطقة خدمية مركزية تخدم العاصمة وطبقة جديدة من المجتمع، على حساب السكان الأصليين. الكراجات الكبيرة ستخدم قادمين من خارج المنطقة، والمشافي ستستقبل مرضى من كل دمشق، والمساجد الكبرى ستجذب المصلين من مناطق بعيدة، والحدائق العامة ستتحول إلى متنزهات لعوائل من أماكن أخرى. أما السكان العائدون فسيحصلون على ما تبقى من مساحات سكنية ضئيلة، مضافاً إليها شروط الدفع التعجيزية.
هذا التحول في الرؤية – من إعادة إعمار تركز على الإنسان والمكان، إلى إعادة إعمار تركز على استقطاب الاستثمارات وتجميل العاصمة – يثير قلقاً كبيراً لدى أهالي الأحياء الشرقية. فهم يرون أنهم يخسرون مرة ثانية: خسروا منازلهم في الحرب، وها هم يخسرون حقهم في العودة إليها في الخطة التي كان يفترض أن تعيد لهم ما فقدوه.
محافظ دمشق يسير بخطة الرقي بدمشق ووضع سقف عالٍ من التقانة وعدد قليل من الطوابق ومساحات خضراء ومراكز خدمية، ولكن هذا كله سيكون متناسباً عكساً مع حقوق أهل المنازل المدمرة في هذه الأحياء. بالنهاية، المواطن لا يريد سوى منزله وحقه، وهو غير معني بالحديقة والمرآب للسيارات وشبكة الغاز والملاعب والتقنيات. هو معني بأن يحفظ حقه، ومن يشترط البناء بهذه السوية عليه أن يبحث عن أراضٍ في غير هذه الأحياء.
يبقى السؤال الأكبر: لماذا هذا النموذج المغاير تماماً للتجربة التركية التي تقدم نموذجاً للتكافل المؤسسي والمجتمعي؟ في تركيا، بعد الزلزال، قالت الدولة: "لن نترك مواطنينا وحدهم"، وتحملت 91.5 مليار دولار. في سوريا، ينتظر سكان جوبر والقابون وحي تشرين إشارة مماثلة، لكن ما يسمعونه حتى الآن هو شروط استثمارية وتخطيط يفضل تجميل دمشق على إسكان العائدين.
في الحلقة الثالثة والأخيرة من هذا التحقيق، سيعود "زمان الوصل" بالتفصيل إلى النموذج التركي: كيف عمل صندوق التأمين الإلزامي؟ كيف أدارت الدولة عملية إعادة الإعمار؟ ما هي مبالغ التعويضات والمنح والقروض التي حصل عليها المتضررون؟ ولماذا نجحت تركيا في إعادة بناء أكثر من 433 ألف منزل في غضون عامين، بينما تتأخر الأحياء الشرقية بدمشق في انتظار خطة لا تزال مثيرة للجدل؟ كما سنحاول الإجابة عن السؤال الأهم: هل يمكن أن تستفيد سوريا من هذا النموذج، أم أن العقبات السياسية والاقتصادية ستجعل من خطة الـ21 ملياراً مجرد وعد آخر يتبعه خيبة أمل جديدة؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة