حرية الصحافة في سوريا: تاريخ من المنع والرقابة ومخاوف المرحلة الانتقالية


هذا الخبر بعنوان "السلطة والصحافة في سوريا: منطق المواجهة بالمنع" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يمثل قرار منع ثلاث وسائل إعلامية في سوريا نقطة تحول مفصلية في مسار الإعلام السوري خلال المرحلة الانتقالية. وبينما يرى البعض هذا الإجراء تنظيميًا، إلا أن جوهره يعكس مخاطر جسيمة تتعلق بإعادة إنتاج أسلوب المواجهة القائم على المنع.
كان السوريون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بحاجة إلى تراخيص لإطلاق صحفهم، مثل «مرآة الأحوال» للراحل رزق الله حسون، و«حديقة الأخبار» للراحل خليل خوري، اللذين ساهما في تأسيس الصحافة العربية. وفي مطلع القرن العشرين، اضطلعت الصحافة السورية بدور محوري في التحفيز على الاستقلال، واعتماد اللغة العربية لغة رسمية في البلاد، ومنع التجنيد الإجباري خارج سوريا، وغيرها من القضايا الوطنية التي لم تكن تحظى بقبول السلطات العثمانية، بما في ذلك حقوق المرأة التي كانت مريانا المراش، ابنة حلب، من أوائل المناصرات لها.
واجهت السلطات الصحف بالقمع والرقابة منذ البداية، واستمر هذا الحال في فترة الانتداب الفرنسي، حيث أُخضعت جميع الصحف للرقابة عام 1939، واتُخذ قرار بسجن صاحب أي صحيفة لا تحظى بتصريح نشر مسبق من قبل المندوب السامي. وبعد الاستقلال، مُنح وزير الداخلية حق منح التراخيص للصحف، وكذلك سحبها في حال تجاوزت «الخطوط الحمراء» الموضوعة آنذاك.
ازداد الواقع سوءًا مع إعلان الوحدة مع مصر، حيث مُنعت تباعًا أكثر من 55 صحيفة كانت تصدر آنذاك، ولاحقًا في فترة الوحدة صدرت قرارات متعلقة بالرقابة والسماح والمنع. وفي 28 آذار 1963، سحبت سلطات البعث تراخيص الصحف التي كانت قد عادت للصدور بعد الانفصال عن مصر. وبعد عام 2000، صدر قانون مطبوعات جديد حافظ على ثقافة الترخيص والسماح والمنع أيضًا.
لختام هذا الاستعراض التاريخي، نستحضر من كتاب «نصيب البخاري» تاريخ الصحافة السورية واللبنانية، قرار الباب العالي في عام 1867 بمنح نفسه حق التصرف بحرية الصحافة وإخضاعها لشروط وفق ما تقتضيه المصلحة العامة.
إن هذا السياق التاريخي من المواجهة بين السلطة والصحافة عبر السماح والمنع، أو الترخيص وسحب الترخيص تحت مسميات المصلحة العامة أو الإطار القانوني، يجعل هذا المنطق بحد ذاته مخيفًا للعاملين في الصحافة، وينظرون إليه بكثير من القلق والريبة على مستقبل الصحافة في سوريا خلال المرحلة الانتقالية وما بعدها. فما هو حاضر في أذهاننا وفي أعماق المخاوف، هو أن التنظيم يعني التأطير، والترخيص يعني السيطرة، والمصلحة العامة تعني تقييد الحريات، وأن وزارة الإعلام تعني الوصاية، سواء كان هذا الواقع حاليًا أو لم يكن، لكن هذه الصورة التراكمية لا يمكن تجاهلها.
عندما تمر الصحافة السورية بكل هذا التاريخ من التقييد والوصاية، تصبح كل خطوة تخطوها السلطات تجاه الصحافة في المرحلة الانتقالية موضع خوف وقلق. ويجب على وزارة الإعلام أن تحسب كل خطوة تخطوها بشكل مضاعف، ليس فقط لكي لا تعيد إنتاج ثقافة المواجهة بالمنع، بل لتزيل هذه الثقافة حتى من اللاوعي الجمعي لشريحة واسعة من السوريين الذين يعتقدون بضرورة الوصاية والضبط والرقابة والتنظيم التقليدي للعمل الصحفي. بينما فعليًا، أفضل وصي على الصحافة هو ضمائر الصحفيين والصحفيات، وأفضل رقيب عليهم هو الدستور والقوانين الدولية ذات الصلة وما تحدده من حريات وحقوق، ولا تنظيم يحتاجونه أكثر من نقابات تحمي حقوقهم ودولة تحمي حريتهم وحقهم بالوصول للمعلومة.
ما تزال سوريا حتى اليوم في مؤخرة المؤشرات الدولية حول حرية الصحافة، وهي مع الأسف الشديد تقبع في المراكز الأخيرة لمختلف المؤشرات. وقد استُبعدت سوريا من مؤشر «فريدوم هاوس» للحريات، والذي يغطي عام 2025، واستمر تصنيفها ضمن الدول غير الحرة. وهنا تتحمل وزارة الإعلام، إلى جانب الحكومة السورية، مسؤولية عدم دخول سوريا في تصنيف الدول الحرة لأسباب تتعلق بالحريات الصحفية والحياة السياسية أيضًا.
لكن في ظل ظروف كهذه، يمكن لوزارة الإعلام أن تكون النموذج الأفضل لحماية مكتسبات الحرية في البلاد، والوصي على إدارة هوامشها بالتوسيع لا بالتضييق، وإعادة سوريا إلى منصات التصنيف. ربما يمكن تفهم حاجة الوزارة لتنظيم العمل الإعلامي، لكن التنظيم لا يعني التقييد. فعلى الرغم من مرور عام كامل على تشكيل الحكومة الانتقالية، إلا أن الوزارة لا تزال تعمل بالتصاريح المؤقتة للصحفيين/ات سواء على المستوى المركزي أو المحلي. كما أنها في عملية التنظيم لا تعترف بأي عملية ترخيص سابقة، وتطلب ترخيصًا جديدًا لكل وسائل الإعلام العاملة مسبقًا، بدلًا مثلًا من أن تطلب تحديث المعلومات، على اعتبار أن الترخيص الموجود لا يلغيه إلا قرار إداري أو قضائي معلل الإلغاء.
بالإضافة إلى ذلك، تضع الوزارة في تعليماتها التنفيذية للتراخيص شرطين مخيفين: الأول له علاقة بالرقابة، والثاني له علاقة بصلاحية الترخيص ومدته والحاجة لتجديده دوريًا. وهو ما يجعل الوسائل الإعلامية دائمًا رهينة الوزارة وليست أمام بيئة قانونية ودستورية للتعامل معها. كذلك الحال، فإنها تحمّل أعباءً مادية للوسائل الوليدة، بأن تلزمها بدفع 1000 دولار للترخيص، وهذه كتلة مالية كبيرة على المؤسسات الوليدة. والمطلوب من الوزارة أن تدعم التأسيس وتجعله مجانًا، وأن توفر إعفاءات ضريبية لوسائل الإعلام في سنواتها الثلاثة الأولى حتى تشجع على إطلاق الوسائل الإعلامية وتعزيز مناخ حرية التعبير.
وأخيرًا، في قضية المؤسسات الإعلامية التي قررت الوزارة معاقبتها بمنعها «هاشتاغ»، «الدليل»، «جسور نيوز»، فإنها اختارت أسوأ الطرق في ذاكرة السوريين المرتبطة بحرية الإعلام وحرية التعبير، وهو طريق «المنع». بالمقابل، كان أمامها عديد الخيارات التي تتيح لها التأسيس لمنهج جديد قائم على تقديس الحرية كحق لا يصادر بجرّة قلم وقرار وزاري، وعلى ترسيخ الإعلام كسلطة لا يمس بها إلا بالقضاء وبالعدل. وبدل أن تمنع، كان يمكنها أن تفرض غرامة مالية عن كل يوم عمل من دون ترخيص بعد هذا القرار، وأن تتيح للوسائل الاستمرار بالعمل لفترة محددة بينما تستكمل التراخيص قبل أن يتم تحويلها للقضاء المختص للتعامل مع مخالفتها، دون أن تضع نفسها وزارة الإعلام في موقع المنع من حق هي مؤتمنة عليه. وغير ذلك من الخطوات التي لا تؤسس لمنطق المنع والخوف والتقييد، بل تعزز منطق التنظيم دون استدعاء أدوات المنع المرتبطة بالذاكرة السورية السلبية. لكن الوزارة ذهبت بعيدًا حتى بتجريم الصحفيين/ات الذين يتعاملون مع هذه الوسائل، وهذا موقف يحسب على الوزارة سلبيًا وستحتاج كثيرًا لتصحيح هذا الانحراف الكبير في دورها ووظيفتها، خصوصًا بعد أن وضعت هذه الوسائل والعاملين فيها بخطر يؤثر على السلامة الشخصية بالإعلان عن المنع بهذا الشكل.
خلال عقود طويلة في سوريا، كانت الصحافة التي لا تلتزم المصلحة العامة كما تراها السلطة وفق مصالحها تُمنع لتُسكت وتموت، والصحافة التي تلتزم الصمت تمرض وتموت. لكن الفرق بينهما كان بالجنازة: بين من تُحمل على الأكتاف ومن يُداس عليها. (بلال سليطين)
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد