شركات أجنبية تعيد تقييم الاستثمار في حقول النفط والغاز السورية: فرص واعدة وتحديات قائمة


هذا الخبر بعنوان "شركات تقيّم الاستثمار في حقول النفط والغاز السورية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد حقول النفط والغاز في سوريا حراكًا استثماريًا ملحوظًا، مما يعكس اهتمامًا تدريجيًا متجددًا من قبل الشركات الأجنبية بقطاع حيوي لطالما كان ركيزة أساسية للاقتصاد السوري. هذا الاهتمام يشير إلى وجود احتياطيات كبيرة تشكل عامل جذب للاستثمارات العالمية، وقد تسهم في إعادة تشكيل خارطة الطاقة في البلاد.
بعد سنوات من التعقيدات والعقوبات، بدأت تتضح معالم مرحلة جديدة في سوريا تتمحور حول إعادة تقييم الأصول والبحث عن فرص استثمارية واعدة في مناطق الإنتاج والاستكشاف. وتشير تقديرات نشرها مركز “Worldometer” المتخصص بالإحصائيات العالمية إلى وجود احتياطيات نفطية مؤكدة بحلول عام 2025 تُقدر بنحو 2.5 مليار برميل، مما يضع سوريا في المرتبة الـ32 عالميًا من حيث الاحتياطيات النفطية.
وفقًا لهذه التقديرات، تمتلك سوريا احتياطيات مؤكدة تعادل 55.3 ضعف مستويات استهلاكها السنوي (بناءً على بيانات 2024). وفي حال عدم وجود واردات للبلاد، فإن هذه الاحتياطيات تكفي لحوالي 55 عامًا من النفط (عند مستويات استهلاك 2024 وباستثناء الاحتياطيات غير المؤكدة)، مع الأخذ في الاعتبار أن السوريين يستهلكون يوميًا 123,817 برميلًا من النفط منذ بداية العام ذاته. أما بالنسبة للغاز الطبيعي، فالصورة أقل وضوحًا من حيث الأرقام المؤكدة، لكن تقارير حديثة وتصريحات مسؤولين في قطاع الطاقة السوري تشير إلى إمكانات كبيرة قد تصل إلى تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز غير المستكشف، خاصة في المناطق البرية والبحرية التي لم تخضع بعد لعمليات استكشاف مكثفة.
تتناول عنب بلدي في هذا التحقيق واقع عدد من الشركات الأجنبية المستثمرة في حقول النفط والغاز السورية وبعض الملكيات، بالإضافة إلى مستقبل الطاقة في سوريا بشكل عام، والذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإنتاج النفط والغاز.
يرى الدكتور الأكاديمي محمود عبد الكريم، المختص بأسواق المال والطاقة، في حديثه إلى عنب بلدي، أن الاحتياطيات السورية الكبيرة من النفط والغاز، على الرغم من جاذبيتها للاستثمار من قبل الشركات الغربية، لا تعني بالضرورة حدوث انفراجة قريبة في قطاع الطاقة.
وأوضح عبد الكريم أن عمليات التنقيب الجديدة عن النفط لم تبدأ بعد، وأن أي دراسة جيولوجية ضرورية لجدولة عمليات بدء التنقيب وتقييم الجدوى الاقتصادية تتطلب وقتًا طويلًا قد يصل، في أفضل الأحوال، إلى عام كامل قبل التوصل إلى نتائج أولية يمكن البناء عليها.
وأضاف عبد الكريم أن ملف التنقيب البحري أكثر تعقيدًا، إذ يتطلب ما لا يقل عن ثلاث سنوات من العمل المتواصل قبل تحقيق أي تقدم ملموس. كما أن الاستثمارات في هذا المجال تُعد مرتفعة للغاية، حيث تُقدر تكلفتها بثلاثة إلى أربعة أضعاف مقارنة بالتنقيب البري، مما يجعل من الصعب الاعتماد عليه كحل سريع لأزمة الطاقة في البلاد.
وفي سياق متصل، حذر الدكتور محمود عبد الكريم من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز ستكون له تداعيات سلبية كبيرة على سوريا، نظرًا إلى اعتمادها غير المباشر على تدفقات الطاقة العالمية. وأكد أن هناك سيناريو وحيدًا قد يخفف من حدة الأزمة، يتمثل في تقديم دول الخليج هبات نفطية لسوريا لسد احتياجاتها خلال الأشهر المقبلة.
وفي حال عدم تحقق هذا السيناريو، فإن سوريا قد تدخل في أزمة طاقة حادة، ستكون لها انعكاسات اقتصادية ومعيشية واسعة النطاق، قد تؤثر بشكل مباشر على مختلف القطاعات الحيوية في البلاد.
وبالنسبة للاستثمارات في مجال توليد الطاقة، توقع الدكتور عبد الكريم، بناءً على معطيات، أن يكون 80% تقريبًا من مشاريع الطاقة قد توقف بشكل تام، باستثناء المشاريع التي تُعنى بترميم المحطات وليس إنشاء محطات جديدة. وأشار إلى أن كل العقود الخارجية توقفت لأسباب عديدة، أهمها أن التمويل الذي حصلت عليه الشركات من بنوك أوروبية توقف لأن البنوك الأوروبية طلبت رفع سعر الفائدة.
حول ملف الاستثمار الغربي في حقول النفط، اعتبر الأكاديمي السوري أنه يمكن تقسيم الشركات الأجنبية المرتبطة حاليًا بملف الاستكشاف والإنتاج في الحقول السورية إلى ثلاث فئات رئيسة:
الفئة الأولى: الشركات التي تمتلك حقوقًا تاريخية وعادت فعليًا لمتابعة أصولها، وفي مقدمتها شركة “Gulfsands Petroleum” البريطانية، التي تُعتبر حتى الآن المثال الأوضح على العودة الميدانية المباشرة إلى أصل نفطي محدد وهو “البلوك 26” في شمال شرقي سوريا. يمتد هذا “البلوك” على مساحة تقارب 5,400 كيلومتر مربع، ويضم احتياطيات وموارد محتملة تُقدر بنحو 108 ملايين برميل مكافئ نفطي، وفق تقديرات الشركة الفنية الحديثة. كما يبرز اسم شركة “Sinochem” الصينية كشريك استراتيجي في نفس “البلوك” بنسبة ملكية 50% لكل طرف.
وحول هذه الشركة، رجح الدكتور عبد الكريم أن تكون العقود بين “Gulfsands Petroleum” وصندوق المشرق الذي يملكه ابن خال رئيس النظام السابق رامي مخلوف قد تم فسخها، مبينًا أنه حتى لو كان هناك أي عقود لم يتم فسخها، فإن هناك عقوبات دولية وسورية على رموز النظام السابق، تمنع حصولهم على دولار واحد من أي جهة كانت.
الفئة الثانية: الشركات الأجنبية التي تمتلك تاريخًا تشغيليًا في الحقول السورية لكنها لا تبدو حاليًا في مرحلة توسع استثماري. وأهمها “Shell” التي كانت شريكًا رئيسًا في شركة “الفرات” للنفط، وقررت مؤخرًا الانسحاب النهائي من سوريا وتصفية أعمالها، بعدما كانت تدير قبل الحرب إنتاجًا مشتركًا في شرقي سوريا تجاوز 100 ألف برميل يوميًا ضمن عدة حقول رئيسة، قبل أن يتراجع الإنتاج إلى مستويات أقل بكثير بعد عام 2013.
الفئة الثالثة: الشركات التي دخلت مرحلة الاهتمام الاستثماري أو التقييم الفني الأولي، مثل “Chevron” التي تُعد من أكبر شركات النفط في العالم بإنتاج يتجاوز ثلاثة ملايين برميل مكافئ يوميًا، و”ConocoPhillips” التي يصل إنتاجها العالمي إلى نحو 1.8 مليون برميل مكافئ يوميًا، و”Dana Gas” التي تركز على مشاريع الغاز في الشرق الأوسط بطاقة إنتاجية تقارب 60 ألف برميل مكافئ يوميًا. ويظهر اهتمام شركات لخدمات الطاقة في سوريا مثل “Baker Hughes” التي تعمل في أكثر من 120 دولة، وتحقق إيرادات سنوية تتجاوز 20 مليار دولار.
في شركة “غولف ساندز” تبرز ملكية “Waterford Finance and Investment Limited” بنسبة تقارب 62% من الأسهم، إضافة إلى ملكية “Blake Holdings Limited” بنسبة تقارب 28%، ما يعني أن نحو 90% من السيطرة التصويتية مركزة في مساهمين رئيسين.
ذكر الأكاديمي السوري أن الملكية في شركة “الفرات” للنفط، تتوزع تاريخيًا بين المؤسسة العامة للنفط السورية بنسبة 50% وشركاء أجانب بحصص تقارب 31% لشركة مرتبطة بـ”شل” و18-19% لشركات استثمارية مرتبطة بكيانات هندية وصينية. وفي المشاريع الجديدة، فإن نسب الملكية لا تزال في طور التفاوض، لكن من المتوقع، بحسب عبد الكريم، أن تعتمد النماذج الاستثمارية المستقبلية على عقود تقاسم إنتاج أو شراكات تطوير قد تمنح الشركات الأجنبية حصصًا تتراوح بين 20 و40%، بحسب مستوى المخاطر والاستثمار.
الشركة الوحيدة التي ثبت قيامها بزيارة ميدانية رسمية إلى أصل نفطي محدد هي “غولف ساندز”، وأكد الدكتور عبد الكريم أن الشركة عادت إلى “البلوك 26” بعد نحو 15 عامًا من التوقف، في خطوة تعكس تحولًا مهمًا في مسار الاستثمار. كما عُقدت لقاءات رسمية مع وفود من “شيفرون” التي تبلغ قيمتها السوقية أكثر من 250 مليار دولار، ما يعكس اهتمامًا جديًا بفرص الاستكشاف البحري. وإضافة إلى ذلك، تم توقيع مذكرات تفاهم مع “كونوكو فيليبس” التي تدير أصولًا في أكثر من 14 دولة، ومع “دانة غاز” التي نفذت سابقًا مشاريع تطوير غازية باستثمارات تجاوزت ملياري دولار في المنطقة.
كما ظهرت تحالفات محتملة، بحسب الخبير المختص بأسواق المال والطاقة، تضم شركات خدمات طاقة عالمية مثل “Baker Hughes” إلى جانب اهتمام معلن من “HKN Energy” بالدخول في مشاريع تطوير الحقول البرية.
يُعد أهم حقل مرتبط مباشرة بعودة الاستثمار الأجنبي هو حقل “Khurbet East” ضمن “البلوك 26″، إلى جانب حقل “Yousefieh”، واكتشاف “Al Khairat”. تقع هذه الحقول في حوض الجزيرة النفطي الذي يضم تاريخيًا أكثر من 60% من الاحتياطيات النفطية السورية.
أما شركة “الفرات” للنفط، فأشار الخبير في أسواق الطاقة إلى أن عملياتها تتصل تاريخيًا بأكبر الحقول السورية مثل حقل “العمر”، الذي يُقدر احتياطيه القابل للاستخراج بعشرات ملايين البراميل، إضافة إلى حقول “التنك” و”الورد” و”التيم” التي شكلت قبل الحرب العمود الفقري لإنتاج شرقي سوريا.
وفي ملف الغاز، فإن الاهتمام الاستثماري الجديد يتركز على حقول الغاز الوسطى وشرق الفرات، حيث تشير التقديرات إلى أن احتياطيات الغاز المؤكدة في سوريا تقارب 8.5 تريليون قدم مكعبة، وهي كمية يمكن أن تشكل أساسًا لإعادة بناء قطاع الطاقة إذا تم تطويرها بشكل منظم. ويرتبط الاستكشاف البحري المحتمل في شرق المتوسط، بحسب الدكتور عبد الكريم، بتوقعات جيولوجية تشير إلى وجود موارد غازية كبيرة في الحوض المشرقي قد تتجاوز 120 تريليون قدم مكعبة على مستوى الإقليم ككل، وهو ما يفسر دخول شركات دولية كبرى إلى هذا الملف.
قبل عام 2011، كان إنتاج “البلوك 26” وحده يقترب من 24 إلى 25 ألف برميل يوميًا، بينما كان إجمالي الإنتاج النفطي السوري يتراوح بين 380 و400 ألف برميل يوميًا. وفي السنوات الأخيرة، استمر الإنتاج في بعض الحقول بصورة غير منظمة، وتشير التقديرات إلى أن إنتاج “البلوك 26” يدور حاليًا حول 14 ألف برميل مكافئ نفطي يوميًا. أما حقل “العمر” فقد كان ينتج في ذروته نحو 50 ألف برميل يوميًا، لكنه تراجع إلى مستويات أولية تراوحت بين خمسة آلاف و15 ألف برميل يوميًا نتيجة تضرر البنية التحتية ونقص الاستثمارات.
في حال تنفيذ خطط إعادة التأهيل والتطوير، قال الدكتور عبد الكريم، إن السيناريوهات الفنية خلال سقف زمني محدد بعدة سنوات، تشير إلى إمكانية رفع إنتاج بعض الحقول في شرقي سوريا إلى حدود 40–50 ألف برميل يوميًا. كما يمكن أن يصل إنتاج “البلوك 26” وحده إلى نحو 50 ألف برميل مكافئ يوميًا في المدى المتوسط، مع إمكانية تجاوز الإنتاج 100 ألف برميل يوميًا في حال تطوير جميع الاكتشافات المحتملة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سياسة