أمطار الحسكة الغزيرة: إنعاش للمحاصيل والمياه الجوفية وتحديات البنية التحتية المتضررة


هذا الخبر بعنوان "الحسكة.. موسم مطري ينعش المحاصيل والمياه الجوفية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت محافظة الحسكة مؤخرًا موجة أمطار غزيرة وغير اعتيادية، والتي، ورغم مساهمتها في تحسين الواقع المائي والزراعي بعد سنوات من الجفاف، إلا أنها خلّفت أضرارًا واسعة طالت منازل المدنيين وأراضيهم الزراعية، وذلك في ظل ضعف البنية التحتية وعدم جاهزية شبكات التصريف لاستيعاب هذه الكميات الكبيرة من المياه.
وبحسب معطيات مديرية الموارد المائية في الحسكة، ارتفع منسوب الأنهار بشكل ملحوظ نتيجة السيول المتشكلة في الأودية المغذية لها. فقد بلغ تدفق نهر الخابور نحو 80 مترًا مكعبًا بالثانية في ناحية تل تمر، و70 مترًا مكعبًا بالثانية داخل مدينة الحسكة، مع توقعات باستمرار الارتفاع في حال تواصل الهطولات المطرية. كما سجل نهر زركان في منطقة رأس العين تدفقًا قدره 30 مترًا مكعبًا بالثانية، ونهر الجراحب 50 مترًا مكعبًا، بينما وصل تدفق نهر الجغجغ إلى 40 مترًا مكعبًا بالثانية، ما يعكس حجم الضغط الكبير على مجاري الأنهار خلال فترة زمنية قصيرة.
لم تقتصر آثار الأمطار على الجوانب الإيجابية، إذ كشفت عن هشاشة البنية التحتية. فقد تسببت الفيضانات بدخول المياه إلى عشرات المنازل في أحياء النشوة وغويران والمريديان والليلية داخل مدينة الحسكة، خصوصًا المنازل القريبة من مجرى نهر الخابور أو الواقعة في مناطق منخفضة. وتكررت مشاهد غمر المنازل بالمياه، ما أدى إلى أضرار في الأثاث والممتلكات، إضافة إلى تضرر الجدران والبنى الإنشائية نتيجة الرطوبة وارتفاع منسوب المياه، الأمر الذي اضطر بعض السكان إلى إخلاء منازلهم مؤقتًا. كما تضررت شبكات الصرف الصحي في بعض المناطق، ما أدى إلى اختلاط مياه الأمطار بالمياه الملوثة، وهو ما يثير مخاوف صحية لدى السكان، خاصة مع انتشار الروائح الكريهة وتشكل بيئة مناسبة للحشرات.
في القطاع الزراعي، بدت الصورة أكثر تعقيدًا، إذ جمعت بين الفوائد والأضرار في آن واحد. فبينما استفادت محاصيل القمح والشعير بشكل واضح من هذه الأمطار، تعرضت مساحات زراعية أخرى لأضرار كبيرة نتيجة الغمر بالمياه. قال المزارع أحمد الخلف، من ريف الحسكة الجنوبي، إن “الأمطار أنقذت موسم القمح إلى حد كبير، خاصة بعد بداية ضعيفة، حيث تحسن نمو المحصول بشكل واضح”، لكنه أضاف أن “بعض الأراضي القريبة من النهر غرقت بالكامل، ما أدى إلى خسارة المحصول”. من جهته، قال المزارع محمود العلي، من ريف تل تمر، إن “السيول جرفت التربة في بعض الحقول، خاصة غير المحمية، وتسببت في اقتلاع النباتات الصغيرة”، مضيفًا أن “المشكلة الكبرى كانت في الأراضي المنخفضة التي تحولت إلى ما يشبه البرك المائية”. وأشار إلى أن بعض المزارعين خسروا محاصيلهم بشكل شبه كامل في تلك المناطق، خاصة ممن لم يتمكنوا من تصريف المياه بسرعة.
تعد النباتات العطرية، مثل الكمون، من أكثر المحاصيل تضررًا جراء الأمطار الغزيرة، إذ تحتاج هذه النباتات إلى كميات معتدلة من المياه، وأي زيادة تؤدي إلى اختناق الجذور وتعفنها. وأشار مزارعون إلى أن الكمون تحديدًا لا يتحمل الرطوبة العالية، ومع استمرار الأمطار لعدة أيام، بدأت علامات التلف تظهر على مساحات واسعة منه، ما ينذر بتراجع إنتاجه هذا الموسم.
امتدت الأضرار إلى البنية التحتية الزراعية، حيث تضررت الطرق الترابية التي تربط القرى بالأراضي الزراعية، ما عاق حركة المزارعين ووصولهم إلى حقولهم، خاصة في الأيام التي تلت الهطولات. كما أدت السيول إلى تدمير بعض السواقي والقنوات الترابية المستخدمة في الري، إضافة إلى انجراف التربة في عدد من الحقول، وهو ما قد يؤثر على خصوبتها مستقبلًا.
أسهمت الأمطار في تعزيز المخزون المائي، حيث ارتفع منسوب سد الحسكة الجنوبي إلى نحو 142 مليون متر مكعب، مقارنة بـ90 مليون متر مكعب قبل الهطولات. كما شهدت منطقة الجزيرة عمومًا تحسنًا ملحوظًا، إذ عادت ينابيع عدة إلى التدفق في منطقة آليان شمال الجوادية، ما أسهم في تغذية سدي الجوادية وذخيرة بعد سنوات من الجفاف. وكان سد الجوادية قد جف بالكامل خلال الصيف الماضي، قبل أن تعيد الأمطار الحالية تغذيته، في حين ارتفع منسوب المياه في سد ذخيرة، الذي كان مهددًا بالجفاف أيضًا.
سيكون للأمطار التي شهدتها المنطقة هذا العام تأثير مهم على المياه الجوفية، بحسب المهندس الزراعي حماد الصالح، موضحًا أن “الهطولات كانت جيدة وموزعة زمنيًا، ما يسمح بتسرب المياه إلى الطبقات التحتية بشكل فعال”. وقال الصالح، إن “الآبار السطحية ستتأثر بشكل سريع، وقد تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في منسوب المياه، بينما تحتاج الآبار العميقة إلى فترة أطول حتى يظهر تأثير هذه الأمطار عليها”. وأشار إلى أن “سنوات الجفاف السابقة تسببت باستنزاف كبير للمياه الجوفية، وبالتالي فإن التعافي سيكون تدريجيًا، لكنه بدأ بالفعل هذا العام”. كما لفت إلى أن نوع التربة يلعب دورًا محوريًا، فالتربة الرملية والحصوية تساعد على تغذية المياه الجوفية، بينما تحد التربة الطينية من تسرب المياه إلى الأعماق.
من أبرز المؤشرات الإيجابية عودة عدد من الينابيع إلى التدفق في منطقة آليان، مثل ينابيع لودكا وقاصتبان وباكروان، التي تغذي نهر كيشك، إضافة إلى نبع كانيا رش ونهر كري ديرا. وتسهم هذه الموارد في تغذية سدي الجوادية وذخيرة، عبر شبكة من الأودية، ما يعزز من كفاءة استثمار المياه في المنطقة.
رغم الفوائد الكبيرة، تؤكد التطورات الأخيرة الحاجة إلى حلول طويلة الأمد، إذ دعا المهندس حماد الصالح، إلى “تنظيم استخدام المياه ومنع الحفر العشوائي للآبار، واعتماد تقنيات ري حديثة لتقليل الهدر”. كما شدد على أهمية إنشاء سدود ترابية صغيرة في القرى لاحتجاز مياه الأمطار والاستفادة منها، بدلًا من تحولها إلى سيول مدمرة.
تعكس الأمطار التي شهدتها الحسكة هذا العام واقعًا مزدوجًا، إذ أعادت الأمل للمزارعين بعد سنوات من الجفاف، لكنها في الوقت ذاته كشفت هشاشة البنية التحتية، سواء في المدن أو الأرياف. وفي حين تبدو المؤشرات الزراعية والمائية إيجابية على المدى المتوسط، تبقى المخاطر قائمة ما لم تُتخذ إجراءات جدية لتحسين إدارة المياه وتطوير شبكات التصريف، بما يضمن الاستفادة من هذه النعمة الطبيعية دون تحولها إلى كارثة موسمية متكررة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة