شهداء الكاميرا: استهداف الصحفيين في لبنان يكشف حربًا على الرواية والحقيقة


هذا الخبر بعنوان "شهداء الصحافة في لبنان: يُقتلون لأنهم ينقلون" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ربى الحجلي، لم تكن تحمل سلاحًا، بل كاميرا. وقفت هناك، في المسافة الفاصلة بين الحياة والموت، تلتقط ما لا يُحتمل، وترسله إلى عالمٍ يكتفي بالمشاهدة. لم تكن جزءًا من المعركة، لكنها كانت ترى كل شيء، وربما لهذا السبب تحديدًا كان يجب أن تُقتل.
في لحظة خاطفة، تتحول عدسة الكاميرا إلى شاهد مزعج، والصوت إلى خطر، ليصبح الصحفي هدفًا مباشرًا. لا يسبق الرصاصة إنذار، ولا يبررها خطأ، بل هو قرار صامت بمحو هذه العين وإسكات هذا الصوت قبل أن ينقل الحقيقة كاملة. بهذه البساطة القاسية، يُسحب الصحفي من موقع الشاهد إلى قائمة الضحايا، ليس بسبب انحياز، بل لاقترابه أكثر مما ينبغي.
إن ما حدث مؤخرًا من اغتيال صحفيين على جبهة الجنوب في لبنان لا يمكن فصله عن سياق أوسع. لم تعد هذه الحوادث مجرد وقائع معزولة في فوضى الميدان، بل باتت تشكل ملامح نمط متكرر، حيث تتحول الكاميرا إلى هدف مباشر، ويُعامل الصحفي كخطر يجب تحييده بدلاً من حمايته كشاهد.
في حروب العصر الحديث، لم تعد السيطرة على الأرض كافية وحدها، بل أصبحت السيطرة على الرواية جزءًا لا يتجزأ من المعركة. والأخطر من ذلك هو أن استهداف الصحفيين لم يعد يثير الصدمة ذاتها؛ فالمشهد يتكرر، والبيانات تتوالى، والأسماء تُسجل في قوائم طويلة قبل أن تُطوى الصفحة سريعًا. وكأن الدماء أصبحت تفصيلاً، وكأن اغتيال الشهود بات ثمنًا مقبولاً في حروب لا تعرف سقفًا. لم يعد استهداف الصحفيين مجرد انزلاق في فوضى الحرب، بل أصبح جزءًا أصيلاً من هندسة الصراع ذاته.
ضمن هذا المشهد، لم تعد القضية تتعلق برصاصة طائشة أو خطأ في التقدير، بل بمنهجية تتعامل مع الإعلام كجبهة موازية. فالصحفي الذي ينزل إلى الميدان اليوم، يدرك أنه لا يواجه فقط خطر الرصاصة، بل خطر القرار المسبق باستهدافه.
ورغم هذه المخاطر، يستمر الصحفيون في النزول إلى الميدان، ليس بدافع المغامرة، بل لأن غيابهم يفسح المجال أمام رواية واحدة بلا مساءلة أو دليل مضاد. يدركون أن الكاميرا قد لا توفر لهم الحماية، لكنها على الأقل تترك أثرًا وتوثق وجود شاهد على ما حدث.
إن اغتيال الصحفيين ليس استهدافًا لأفراد بقدر ما هو محاولة لإطفاء نور الحقيقة. فمع كل عدسة تُكسر، تضيق زاوية الرؤية، ويُعاد تشكيل المشهد ليُرى كما يُراد له، لا كما هو في الواقع. في النهاية، اغتيال الصحفي ليس نهاية قصة، بل هو بداية الرواية المزوّرة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة