الصين وحرب إيران: اختبار استراتيجية بكين العالمية في عالم مضطرب


هذا الخبر بعنوان "فورين أفيرز: ماذا تعني حرب إيران بالنسبة للصين؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تجد الصين نفسها أمام اختبار دقيق لاستراتيجيتها العالمية مع تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وفقًا لما كتبته الباحثة زونغيوان زوي ليو، من معهد السياسة العالمية في كلية كولومبيا للشؤون الدولية والعامة. أوضحت الباحثة، المتخصصة في دراسات الصين بمجلس العلاقات الخارجية، أن بكين التي تخشى تقلبات واشنطن أكثر من قوتها، ترى اليوم الولايات المتحدة في لحظة طالما تمنتها: أضعف وأقل قدرة على التحكم في النظام الدولي. غير أن هذا الوضع الحالي يخلق بالنسبة لبكين مفارقة مزدوجة، حيث تبدو الولايات المتحدة أضعف من ذي قبل، لكنها أيضًا أكثر تقلبًا وغير متوقعة التصرفات، مما يزيد المخاطر على الاستقرار الذي تعتمد عليه الصين.
وأشارت الباحثة إلى أن واشنطن، منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض عام 2025، باتت أقل ثقة في أهدافها العالمية، وأقل التزامًا بالنظام القائم على القواعد الذي كانت تدعمه، وأكثر استعدادًا لاستخدام القوة بطرق تزعزع الأسواق والمؤسسات والحلفاء. قد يكون هذا التطور جيدًا بالنسبة لبكين، إلا أن الولايات المتحدة الأضعف والأقل احترامًا للقيم تتآكل سلطتها ومصداقيتها العالمية، في حين أن القادة الصينيين يريدونها قوية بما يكفي للحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي ومنع انهيار النظام بالكامل، وهم في نفس الوقت يريدونها غير قادرة على تشكيل النظام الدولي بطريقة تعيق صعود الصين.
ونبهت الباحثة إلى أن الحرب في إيران تُظهر بوضوح استراتيجية بكين القائمة على الحذر، فقد تجنبت التدخل العسكري المباشر، وركزت على الدبلوماسية والدعوات لوقف إطلاق النار. هذا النهج لا ينبع من اللامبالاة، بل من رغبة في حماية النظام العالمي الذي يعتمد عليه اقتصادها المتجه نحو التصدير. وعلى عكس الحرب الروسية في أوكرانيا، فإن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تهدد المصالح الاستراتيجية الأساسية للصين، ليس بسبب الاعتماد الحاد على نفط الشرق الأوسط، بل لأن واشنطن المتقلبة بشكل متزايد تزعزع النظام العالمي الذي تعتمد عليه بكين.
وعلى الرغم من سعي الصين لتعزيز استقلالها الاستراتيجي والاعتماد على الذات، فإنها لا تسعى للانفصال عن النظام العالمي، بل تركز على استغلال القوة الاقتصادية والتأثير السياسي تدريجيًا وبطرق غير مباشرة. يتم ذلك من خلال النفوذ في الأسواق، والسياسات الصناعية، والبناء التدريجي لأنظمة مالية موازية تتجاوز الدولار. وذكّرت زوي ليو بأن الصين، منذ انفتاحها على العالم عام 1979، راكمت ثروتها وقوتها داخل نظام دولي أنشأته الولايات المتحدة وحافظت عليه، وهي تعتمد على الشروط الأساسية التي يوفرها هذا النظام، من ممرات بحرية مفتوحة وأسواق متنامية، ومؤسسات متعددة الأطراف قادرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية قبل أن تصبح نظامية، وقدرة على الاقتراض والتجارة بالدولار.
ومع دفع الرئيس الصيني شي جين بينغ بالاقتصاد نحو الاعتماد على الذات باسم الأمن، واجهت الصناعة الصينية تراجعًا في الأرباح وارتفاعًا في فائض القدرة الإنتاجية، وهي علامات على الضغط الذي ينطوي عليه هذا التحول. وللتعويض، طورت بكين أدوات اقتصادية متقدمة، مستغلة الوصول إلى سوقها المحلي، وهيمنتها على سلسلة التوريد في المعادن النادرة، والاتفاقيات الاستثمارية والقروض، وأدوات الضغط مثل القيود على التصدير والعقوبات. لكن هذه الأدوات مبنية على افتراض أن النظام الدولي سيظل مستقرًا، ومحكومًا بالقواعد بدلاً من القوة العارية.
غير أن تحركات واشنطن العسكرية الأخيرة في فنزويلا وإيران، والتي تمت دون مراعاة للعواقب الاقتصادية أو للقانون الدولي، تؤكد حقيقة لا يمكن للمخططين الصينيين تجاهلها، وهي أن النظام الذي تعلموا التنقل فيه واستغلاله ينهار، وإعادة الترتيب الجارية قد لا تخدم مصالح بكين، حسب الكاتبة. وإذا كان تراجع القوة الأمريكية مجرد ضعف، فقد يغري ذلك الصين بالتحرك بسرعة لاقتناص اللحظة وتعزيز موقعها. لكن إذا اتخذ هذا التراجع شكلاً من الإكراه الاقتصادي المتصاعد، وانهيار قواعد التجارة والمؤسسات العالمية، فقد تجد بكين نفسها مضطرة للدفاع.
وتوضح الحرب على إيران هذه الديناميكية بشكل صارخ، بحيث يرى الكثيرون في واشنطن أن مغامرة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط هي هدية استراتيجية للصين، تتيح لها حرية أكبر في آسيا. لكن القيادة الصينية لا ترى الأزمة لعبة صفرية، وتعتقد أنه لا واشنطن ولا بكين ستنجوان من التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية للحرب. وتطبق القيادة الصينية نفس الحسابات الدقيقة على ملف جزيرة تايوان، معتبرة أن تشتت الولايات المتحدة قد يخلق بالفعل فرصة عسكرية أو سياسية، لكن حسابات بكين أكثر تعقيدًا، فهي لا تسأل هل الولايات المتحدة مشتتة، بل تسأل أيضًا عن نوع الولايات المتحدة التي ستواجهها في الجزيرة.
وبالتالي يمثل ملف تايوان اختبارًا آخر لهذه السياسة الحذرة، لأن القيادة الصينية تدرك أن مواجهة أمريكا أقل استقرارًا وأكثر ميلاً لاستخدام القوة قد تكون أخطر من مواجهة أمريكا قوية ومستقرة. لذلك، تحسب بكين خطواتها بعناية، مستندة إلى تقدير نوع واشنطن التي ستواجهها في أي مواجهة. وما يميز السياسة الصينية في الوقت الحالي هو التركيز على الاستقرار والحذر، لأن الصين تسعى للصعود اقتصاديًا وجيوسياسيًا بصورة تدريجية، لكنها تحاول البقاء ضمن نظام عالمي يسمح لها بالعمل بشروط مواتية، مع تجنب المخاطر الكبرى التي قد تفرضها فوضى أمريكية متزايدة. والمفارقة الكبرى تكمن في أن بكين حصلت على ما أرادته، وهو الولايات المتحدة أقل قدرة وثقة، لكنها تواجه عالمًا أكثر تقلبًا وفوضى، مما يجعل كل خطوة يجب أن تبقى محسوبة بعناية فائقة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة