إسرائيل تشرّع إعدام الأسرى الفلسطينيين: تحول خطير في سياسات الاحتلال


هذا الخبر بعنوان "قانون إعدام الأسرى: لا ذروة للتوحّش الإسرائيلي" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
صادقت الهيئة العامة لـ«الكنيست» الإسرائيلي، أول من أمس، على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، وذلك في قراءتيه الثانية والثالثة، بأغلبية 62 صوتاً مقابل 48. جاء هذا التشريع بدعم مباشر من رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، مما يمثل تحولاً رسمياً من سياسات القتل الميداني والبطيء إلى القتل المُشرعَن بقوة «القانون».
يقضي القانون، الذي قاده وزير «الأمن القومي» المتطرف إيتمار بن غفير، وتقدمت بطرحه عضو «الكنيست» ليمور سون هارميلخ، بفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين المدانين بتنفيذ عمليات أدت إلى مقتل إسرائيليين، وهي عمليات يصنفها الاحتلال ضمن تعريفات فضفاضة ومغلوطة بـ«الإرهاب». كما ينص التشريع على إلغاء إمكانية العفو أو تخفيف الحكم، ويحدد مدة تنفيذ الإعدام بـ90 يوماً كحد أقصى من تاريخ تثبيته، على أن يتم شنقاً داخل السجون الإسرائيلية.
يمثل هذا القانون تتويجاً لمسار طويل من السياسات القاسية المتبعة بحق الأسرى داخل المعتقلات، حيث مارست سلطات الاحتلال، على مدار عقود، ما يوصف بـ«الإعدام الصامت» من خلال التعذيب الممنهج، والإهمال الطبي، والتجويع، والعزل القاسي. وقد أدت هذه الممارسات، خاصة منذ اندلاع الحرب على غزة، إلى تصاعد غير مسبوق في وتيرة استشهاد الأسرى، حيث تشير معطيات موثقة إلى وفاة أكثر من 100 أسير، بعضهم تحت التعذيب المباشر، وآخرون نتيجة الإهمال الطبي أو الحرمان من الغذاء. ومع المصادقة على هذا التشريع، لم تعد هذه الممارسات بحاجة إلى التغطية أو الإنكار، فقد اكتسبت صفة قانونية صريحة.
ينص القانون على إقامة مسارين قضائيين متوازيين، كلاهما يستهدف الفلسطينيين عملياً: الأول في المحاكم العسكرية بالضفة الغربية، حيث تصبح عقوبة الإعدام إلزامية بحق المدانين بتنفيذ عمليات أدت إلى مقتل إسرائيليين، مع استثناءات محدودة للغاية، ويكتفى بقرار أغلبية القضاة دون الحاجة إلى إجماع. أما المسار الثاني فيخص المحاكم المدنية داخل إسرائيل، حيث يتاح فرض عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد على المدانين بارتكاب أفعال بدافع ما يُعرف بـ«نفي وجود الدولة»، وهو توصيف يستخدم سياسياً وقانونياً لاستهداف الفلسطينيين دون غيرهم.
بالإضافة إلى ذلك، يقيد القانون صلاحيات العفو وفرص إعادة المحاكمة، ويحدد سقفاً زمنياً صارماً لتنفيذ الحكم لا يتجاوز 90 يوماً، مما يثير مخاوف جدية من تنفيذ أحكام إعدام دون منح المتهمين فرصة كافية للدفاع أو الاستئناف.
يشكل هذا القانون نقطة تحول خطيرة في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، التي لطالما كانت رمزاً للنضال والصمود. فالسجون، التي مثلت ساحة للمعاناة والمقاومة، قد تتحول إلى ساحات إعدام رسمية، في سياق السعي لكسر إرادة الأسرى وتقويض دورهم الرمزي والسياسي.
وفي هذا السياق، تقدمت «جمعية حقوق المواطن» بالتماس إلى «المحكمة العليا»، معتبرة القانون «تشريعاً انتقامياً وعنصرياً»، كونه ينتهك الحق الأساسي في الحياة ويؤسس لنظام قانوني «تمييزي»، نظراً لاقتصار تطبيقه على الفلسطينيين فحسب.
يعد هذا القانون تعبيراً مكثفاً عن مسار تاريخي طويل من السياسات الإسرائيلية التي تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية، حيث استخدم الإعدام كأداة لقمع الثورة الفلسطينية، ونصبت المشانق لثوار البلاد.
تبرز في هذا السياق رمزية إعدام الشهداء الثلاثة: محمد جمجوم، عطا الزير، وفؤاد حجازي، الذين أعدمتهم سلطات الانتداب البريطاني عقب «ثورة البراق». ومع بدايات تنفيذ المشروع الصهيوني في فلسطين، شكلت المجازر الجماعية جزءاً من ديناميات تأسيس الكيان، كما حدث في مجازر دير ياسين وكفر قاسم والطنطورة، التي استهدفت المدنيين الفلسطينيين وأسست لواقع قائم على القتل والإرهاب والقوة المميتة.
لم يغفل الاحتلال، في كل مرحلة تاريخية، عن إعادة إنتاج السياسات نفسها بأشكال مختلفة، بما في ذلك الإعدامات الميدانية، وسياسات القنص وإطلاق النار على الحواجز التي تحولت إلى مصائد يومية لحياة الفلسطينيين، وغيرها من السياسات التي استهدفت في نهاية المطاف السيطرة على كامل الأراضي الفلسطينية وتهجير سكانها الأصليين.
في السياق الراهن، يمثل قطاع غزة النموذج الأكثر وضوحاً لما يمكن وصفه بـ«المقصلة المفتوحة»، حيث يتعرض القطاع لعمليات قصف مكثفة منذ سنوات، تصاعدت بشكل غير مسبوق خلال العامين الأخيرين، لتصل إلى مستوى الإبادة التي تنفذ على مرأى العالم.
بالعودة إلى قانون الإعدام الجديد، فقد مر بمسار تشريعي سريع، حيث تجاوزت «لجنة الأمن القومي» في «الكنيست» أكثر من 2000 تحفظ قدمت عليه، في مؤشر إلى إصرار الحكومة، التي تعد الأكثر تطرفاً في تاريخ الاحتلال، على تمريره بأي ثمن، خاصة في ظل تصاعد الخطاب العنصري والدعوات إلى استخدام القوة المميتة ضد الفلسطينيين.
ورغم هذا التوجه، تشير تقديرات أمنية وأبحاث دولية إلى أن عقوبة الإعدام قد تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث أقر جهاز «الشاباك» خلال مناقشات سابقة بأن الإعدام لا يشكل أداة ردع فعالة، وأنه قد يزيد من حدة المواجهة، وهو ما يتناقض مع المبررات التي يسوقها مؤيدو القانون.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة