الحسكة تحتفي بـ"آكيتو": تجدد الحياة وتمسك بالهوية السريانية الآشورية الكلدانية


هذا الخبر بعنوان "احتفالات “آكيتو” في الحسكة.. تمسك بالهوية ورمز للتجدد" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يحتفل السريان والآشوريون والكلدان في الأول من نيسان كل عام بعيد "آكيتو"، الذي يتزامن مع بداية فصل الربيع، في مناسبة عالمية تكتسب أهمية خاصة في سوريا والعراق. يرمز هذا العيد إلى التجدد وبداية دورة حياة جديدة، ويعد تعبيرًا عميقًا عن التمسك بالهوية الثقافية والحضارية لهذه المكونات. في محافظة الحسكة السورية، شهدت مناطق عدة احتفالات واسعة النطاق بهذه المناسبة، شملت قرى دمخية الكبيرة والوطواطية قرب مدينة القامشلي، وكر شيران في القحطانية، وتل الورديات في تل تمر. شارك مئات الأهالي من مختلف أطياف المنطقة في فعاليات متنوعة جمعت بين الطابعين الاحتفالي والتراثي.
تضمنت احتفالات هذا العام برامج فنية وثقافية غنية، حيث قدمت فرق محلية عروضًا راقصة وغنائية، إلى جانب لوحات فنية تجسد التراث السرياني العريق. وقد شهدت هذه الفعاليات حضورًا لافتًا للعائلات والأطفال الذين ارتدوا الأزياء التقليدية، مما عكس استمرارية هذا الإرث الثقافي الأصيل. كما شملت الاحتفالات مسيرات ومواكب بهيجة، رُفعت خلالها رموز ثقافية وأعلام تعبر عن الهوية السريانية والآشورية، وتبادل المشاركون التهاني في أجواء جامعة تعكس التنوع الاجتماعي الفريد للمنطقة.
وفي تصريح لـ"عنب بلدي"، أكدت بوليانا ملكي، رئيسة الجمعية الثقافية السريانية في الحسكة، أن عيد "آكيتو" يحتفل به جميع شعوب سوريا، وخاصة المجتمع المسيحي، كعيد للتجدد وبداية حياة جديدة. وأوضحت ملكي أن هذه المناسبة تتجاوز كونها مجرد احتفال سنوي لتصبح "شهادة على وجود الهوية والثقافة السريانية والآشورية والبابلية". وأضافت أن العيد يمثل إحياءً لإرث تاريخي عريق، يمنح الأجيال الجديدة القدرة على الاستمرار وبناء مستقبل يستند إلى تاريخ وثقافة غنية، مشددة على أن "آكيتو" يشكل "رمزًا للوحدة والأمل" لأبناء هذه المكونات.
خلال الاحتفالات، عبّر عدد من المشاركين لـ"عنب بلدي" عن تمسكهم بحقوق الشعب السرياني الآشوري الكلداني، مؤكدين أهمية الحفاظ على لغتهم وثقافتهم، ومطالبين بالاعتراف بعيد "آكيتو" كعيد قومي ووطني في سوريا. وفي هذا السياق، أوضح إلياس سعيد أن الاحتفال بالعيد يؤكد حقوق هذا المكون، لا سيما ما يتعلق باللغة والاعتراف الرسمي بالعيد، لضمان صون هويته ضمن الأطر الدستورية. من جانبه، أشار وحيد لحدو إلى أن هذه الفعاليات تندرج ضمن جهود متواصلة للحفاظ على التقاليد الثقافية في منطقة الجزيرة، مؤكدًا ضرورة تنظيم الاحتفالات بطريقة آمنة ومسؤولة تتيح مشاركة جميع الأهالي. أما ليلى يعقوب، فقد رأت أن "آكيتو" يتجاوز كونه مناسبة احتفالية ليحمل رسالة محبة وسلام موجهة إلى جميع شعوب المنطقة، من خلال الفعاليات الثقافية والدينية والعروض الفنية التي تعكس غنى التراث وتنوعه. وأجمع المشاركون على أن هذه الاحتفالات جزء من مساعٍ أوسع للحفاظ على التقاليد الثقافية والاحتفالية للشعوب السريانية والآشورية في الجزيرة السورية، مع الحرص على مشاركة جميع فئات المجتمع.
يعتبر عيد "آكيتو" من أقدم الأعياد التي عرفتها البشرية، حيث تعود جذوره إلى حضارات بلاد ما بين النهرين القديمة، كالسومرية والبابلية والآشورية، وارتبط تاريخيًا بالزراعة والخصوبة وتجدد الطبيعة. وفي حديثه لـ"عنب بلدي"، أوضح الباحث التاريخي محمد عبد الله أن السومريين كانوا يحتفلون بـ"آكيتو" في 21 آذار من كل عام، معتبرين إياه بداية لسنتهم الجديدة واحتفاءً بموسم الاخضرار والإنبات، المرتبط بأسطورة "دموزي" التي ترمز إلى عودة الحياة بعد الموت. وأضاف أن الأكاديين والبابليين والآشوريين نقلوا موعد الاحتفال إلى بداية شهر نيسان، ليصبح بداية لتقويمهم السنوي، حيث كانت الاحتفالات تستمر لمدة 12 يومًا، تمثل الفارق بين السنة القمرية والشمسية، في محاولة "لإعادة التوازن للكون" وفق المعتقدات القديمة. ووفقًا للباحث، فإن عيد "آكيتو" الذي سيحتفل به في 1 نيسان 2026، سيحمل الرقم 6776 في التقويم الخاص بهذه الحضارات، مما يؤكد مكانته كأحد أقدم الأعياد المستمرة في التاريخ.
على الرغم من مرور آلاف السنين، لا تزال طقوس "آكيتو" حاضرة بقوة حتى اليوم، مع بعض التحديثات التي تواكب العصر. يجتمع المحتفلون في الساحات العامة لتقديم عروض فلكلورية، ويرتدون أزياء تقليدية مزركشة، مستحضرين بذلك هويتهم التاريخية. يحرص البعض على الخروج إلى الطبيعة خلال هذه المناسبة، في رمزية تعكس الارتباط بالربيع وتجدد الحياة، بينما يتوجه آخرون إلى الكنائس لأداء الصلوات والقداديس، في مزيج يجمع بين البعدين الديني والثقافي. تعكس هذه الممارسات استمرار حضور "آكيتو" كجزء لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للسريان الآشوريين والكلدان، ويشكل مناسبة سنوية لإعادة التأكيد على الانتماء الثقافي وتعزيز الروابط الاجتماعية بين أبناء المجتمع.
في ظل التحولات التي شهدتها الحسكة مؤخرًا، تبرز أهمية هذه المناسبات في الحفاظ على التنوع الثقافي والديني، خاصة في المناطق التي تضم مكونات متعددة. ويرى الباحث محمد عبد الله أن استمرار الاحتفال بعيد "آكيتو"، رغم التحديات، يعكس إصرار هذه المجتمعات على صون إرثها التاريخي ونقله إلى الأجيال القادمة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اندثار بعض الموروثات الثقافية. وأضاف أن "آكيتو" يتحول كل عام إلى ما هو أبعد من مجرد عيد تقليدي، ليصبح مساحة للتعبير عن الهوية، ومنصة للتلاقي بين مختلف المكونات، ورسالة تؤكد أن التنوع الثقافي يمكن أن يكون عامل قوة في المجتمعات المتعددة. ويواصل أبناء السريان الآشوريين والكلدان إحياء هذا العيد، مستندين إلى تاريخ طويل يمتد لآلاف السنين، في محاولة للحفاظ على جذورهم الثقافية، والتأكيد على حضورهم في الحاضر، ورسم ملامح مستقبل يستند إلى إرث غني ومتجدد.
ثقافة
سوريا محلي
ثقافة
ثقافة