فن النحت في حلب: بين التحديات المجتمعية والاقتصادية ومستقبل غامض


هذا الخبر بعنوان "النحت في حلب “على طريق مسدود”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
رغم التحديات التي فرضتها السنوات الماضية على القطاع الثقافي والفني، لا يزال فن النحت يحتفظ بحضوره في مدينة حلب، حيث يواصل عدد من الفنانين والطلاب ممارسة هذا الفن العريق المرتبط بتاريخ المدينة وحركتها التشكيلية لعقود. وشهد واقع النحت في حلب تغيرات ملحوظة في السنوات الأخيرة، سواء على مستوى طبيعة الأعمال المنتجة أو التحديات الاقتصادية التي تواجه الفنانين، بالإضافة إلى التساؤلات المستمرة حول مستقبل هذا الفن ونظرة المجتمع إليه كتخصص فني ومهني في آن واحد.
وفي حين تستمر كلية الفنون الجميلة في تخريج دفعات جديدة من النحاتين، يشير فنانون إلى أن العمل في هذا المجال لم يعد يقتصر على إنتاج الأعمال الفنية التقليدية، بل امتد ليشمل مجالات أخرى كالتصميم، والديكور، والترميم، في محاولة للتكيف مع المتغيرات الاقتصادية. إلا أن فن النحت في حلب يواجه تحديات يومية، تتضمن نظرة المجتمع للفنانين ومستقبل هذا الفن في المدينة.
حلب وارتباطها بالفن
يعد فن النحت، بحسب النحات إبراهيم داود، أحد أبرز أشكال الفنون التشكيلية، حيث يقوم على تشكيل مواد صلبة كالحجر والخشب والمعادن لإنتاج أعمال ذات أبعاد جمالية وتعبيرية تعكس حياة المجتمعات وذاكرة الأماكن. وأشار إلى أن النصب والتماثيل لا تقتصر أهميتها على الجانب الفني، بل تشكل مؤشرًا على المستوى الحضاري والثقافي للمدن، وتساهم في إبراز هويتها التاريخية وتعزيز حضورها السياحي.
وأضاف داود أن مدينة حلب عرفت هذا الفن منذ عقود، حيث سعت البلديات والمؤسسات الرسمية منذ خمسينيات القرن الماضي إلى إقامة أعمال نحتية في الساحات والحدائق العامة. ولفت إلى أن فنانين بارزين مثل فتحي محمد، وجاك وردة، ووحيد استنبولي، تركوا بصمات واضحة في المشهد البصري للمدينة بأعمالهم المنتشرة في المواقع العامة.
واقع صعب وتحديات اقتصادية
شهد فن النحت تحولات خلال العقود الماضية انعكست على طبيعة الأعمال المنتجة وحضورها في الفضاء العام. وأوضح داود أن فترات سابقة شهدت تركيزًا على أعمال مرتبطة بشخصيات سياسية، مما أثر على الذائقة الفنية وفرص الفنانين في تقديم أعمال تعبر عن رؤاهم الخاصة. وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف العمل النحتي وصعوبة تسويق الأعمال الفنية دفعا بعض الفنانين إلى الاتجاه نحو مجالات أخرى ك الرسم، بينما تراجعت فرص تنفيذ المشاريع النحتية الكبرى.
ولفت داود إلى أن السنوات الماضية شهدت حالة من الجمود النسبي في مجال النحت نتيجة تداخل عوامل عدة، منها الحرب، وتراجع الأوضاع الاقتصادية، وغياب الاستقرار اللازم لتطوير المشاريع الفنية، بالإضافة إلى محدودية الدعم المقدم للفنانين.
الحفاظ على الاستمرارية ودعم الفنانين
يتطلب الحفاظ على استمرارية فن النحت في حلب توفير بيئة ثقافية واقتصادية داعمة، من خلال تعزيز الدعم المادي والمعنوي للفنانين، وإطلاق مشاريع ومنح ثقافية تساعدهم على الاستمرار في الإنتاج. وفيما يتعلق بنظرة المجتمع، أكد داود على أهمية توسيع دائرة التعريف بفن النحت وأهميته عبر إقامة المعارض والفعاليات الفنية وإتاحة الفرصة للجمهور للاطلاع على الأعمال والتفاعل معها.
تؤدي كلية الفنون الجميلة دورًا أساسيًا في إعداد النحاتين وتطوير مهاراتهم، إلا أنها تحتاج إلى مزيد من الدعم على مستوى الكوادر والتجهيزات، وتعزيز الأنشطة التشاركية مع المؤسسات الثقافية واتحاد الفنانين التشكيليين. ويتطلب استعادة فن النحت لحضوره في حلب تضافر جهود المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية، والعمل على نشر الوعي بتاريخ هذا الفن وأساليبه لضمان انتقاله إلى الأجيال الجديدة.
تتمثل أبرز التحديات التي تواجه النحاتين اليوم في ارتفاع أسعار المواد الخام، وضعف الدعم الحكومي والخاص، وقلة المعارض والفعاليات الفنية، إلى جانب هجرة عدد من الكفاءات الفنية وصعوبة تسويق الأعمال محليًا وخارجيًا.
مخاوف اجتماعية وتوجهات جديدة
من جانبه، أوضح الفنان والنحات رضوان شيخ تراب أن فن النحت في حلب لم يكن يحظى في السابق بإقبال واسع، وأن بعض المواقف الاجتماعية المرتبطة بمخاوف دينية أو تصورات حول هذا الفن أسهمت في الحد من انتشاره. وأضاف أن واقع النحاتين وصل إلى “طريق مسدود” في كثير من الأحيان، ما يدفع بعضهم إلى التوجه نحو الأعمال التجارية أو الصناعية بدلًا من الأعمال الفنية الخالصة، مشيرًا إلى أن أعمال تصميم وتجميل الواجهات والساحات العامة باتت تُنفذ دون الاستفادة الكافية من خبرات خريجي كلية الفنون الجميلة.
وأشار شيخ تراب إلى أن عدد الطلاب الراغبين بدراسة النحت لا يزال محدودًا، رغم أنه يُعرف بـ”أبو الفنون”. وتتطلب دراسة النحت مهارات متعددة، إلى جانب المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي. وتبذل الكلية جهودًا ضمن الإمكانيات المتاحة، إلا أن تنفيذ الأعمال الكبيرة يتطلب ورشات متخصصة وإمكانات أكبر.
تراجع الاهتمام وخسارة المواهب
تراجع الاهتمام بتعليم النحت خلال السنوات الماضية، وتوقف قسم النحت في مركز الفنون التشكيلية بحلب، مما أدى إلى خسارة إحدى المساحات المهمة لاكتشاف المواهب وصقلها. ويعتقد بعض الطلاب أن دراسة الفنون الجميلة تقتصر على مجالات كالتصميم الداخلي أو الديكور.
ويأمل شيخ تراب أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من الوعي بأهمية فن النحت بوصفه ممارسة جمالية وثقافية وتوثيقية، مشيرًا إلى أن هذا الفن لعب دورًا محوريًا في حفظ تاريخ الحضارات الإنسانية ونقل تفاصيل حياتها عبر العصور.
النحت وحفظ الذاكرة الإنسانية
أوضح الفنان أن كثيرًا مما نعرفه اليوم عن الحضارات القديمة وصل إلينا من خلال الأعمال النحتية والنقوش التي وثقت ملامح تلك المجتمعات. فالنحت ليس مجرد عمل فني، بل هو وسيلة لحفظ الذاكرة الإنسانية وتوثيقها.
وترى شيخ تراب أن النحاتين يواجهون اليوم تحديات متعددة، أبرزها ارتفاع أسعار المواد الأولية، وغياب ورشات متخصصة بصب البرونز على مستوى فني متقدم، مما يحد من قدرة الفنانين على تنفيذ أعمال كبيرة أو نصبية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة