الشاعرة سميا صالح في حوار خاص: رحلة إبداعية من الميلاد الأول للغة إلى تجسيد وجع الإنسان السوري


هذا الخبر بعنوان "الشاعرة سميا صالح: أمشي إلى القصيدة كما تمشي الروح إلى ميلادها الأول" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تطل الشاعرة سميا صالح على تجربتها الشعرية كرحلة عودة إلى لحظة الميلاد الأولى، حيث بدأت اللغة تهمس لها منذ مقاعد الدراسة. ومنذ ذلك الوميض المبكر، ظلت القصيدة طريقها لكشف ما يفيض عن الكلام العادي، مسارًا تعبره امرأة من لحم الصبر والذاكرة، وتكتب من وجع يتسع ليصير إنسانًا.
في حوارها مع "الحرية"، أفادت الشاعرة سميا صالح أن علاقتها باللغة تشكلت بهدوء منذ سنوات الدراسة الإعدادية، حين قادها خيالها إلى كتابة روايتها الأولى بدل تلخيص رواية مطلوبة، لتفاجئ معلمها بنص أصيل شكل لحظة وعي مبكرة بموهبتها، واعتبرتها شهادة الميلاد الأولى لصوتها الإبداعي.
وأوضحت صالح أن اللحظة الشعرية تتكون لديها عندما يضيق المعنى عن احتماله في اللغة العادية، فيبحث عن مخرج أكثر شفافية. أشارت إلى أن مشاركتها في مسابقة عن الطبيعة كانت محطة فارقة، إذ جاء نصها شعريًا أكثر منه وصفيًا، ما جعلها تنال المركز الأول، ورسّخ إحساسها بأنها تخطو خطواتها الأولى على ضفاف الشعر. ونوهت بأن النص لا يستحق أن يُكتب إلا إذا كان صادقًا وقادرًا على ملامسة ما هو إنساني وعابر للذات.
وفي حديثها عن صورة المرأة في كتابتها، أشارت سميا صالح إلى أنها تتعامل معها بوصفها ذاتًا حية تسعى إلى حريتها، لا رمزًا يُستهلك في التأويل. وصفت المرأة في نصوصها بأنها كائن من "لحم الصبر والذاكرة"، يشبه المرأة السورية التي تعلمت مواجهة الفقد والانتظار دون أن تنكسر. ومع ذلك، تتسع هذه الذات في لحظة الكتابة لتصبح رمزًا للحرية حين تُؤجَّل، وللقوة حين تُختبر، وللحياة حين تصر على الاستمرار رغم كل ما يثقلها.
وبيّنت صالح أنها تسمح لنفسها بالمغامرة اللغوية ما دامت اللغة جسدًا حيًا للمعنى، لا زينة تُثقله. وتذهب بالصورة إلى حافتها حيث تولد الدهشة، لكنها تتراجع حين تشعر بأن اللغة بدأت تقول نفسها بدل أن تقول التجربة، مؤكدة أن الإفراط في الابتكار قد يتحوّل إلى ضجيج، وأن أجمل الصور هي تلك التي تبدو كأنها وُجدت بلا تكلّف، لذلك تحرص على الموازنة بين الانفلات والانضباط.
وعن علاقتها بالقراء، لفتت إلى أنها تكتب للنص أولًا، لأن صدقه شرط ولادته، لكنها لا تكتب في عزلة تامة. فالنص حين يكتمل، يبدأ بحثه عن قارئه كما يبحث القارئ عنه، منوهة بأن العلاقة بين الطرفين علاقة ثقة، لا استرضاء، وهي التي تمنح القارئ نصًا صادقًا وتترك له حرية التأويل والاكتشاف.
وقد أصدرت الشاعرة سميا صالح خمسة دواوين شعرية هي: "كأنك أني"، "عشق ثلاثي الأبعاد"، "على آخر السطر"، "كوردةٍ هكذا تمامًا"، و"كل ما بقّى مني". إضافة إلى روايتها "قلبان لوطن واحد"، مبينة أن روايتها وُلدت من سؤال ظل يلاحقها وهو كيف يمكن لقلبين أن يحملا وطنًا مثقلًا بالفقد دون أن ينكسرا. أوضحت أنها كتبتها من تخوم الوجع السوري، حيث تتقاطع الحكايات بين التهجير والذاكرة والحب الذي يقاوم الخراب، مؤكدة أن الرواية تلتقي مع مشروعها الشعري في انحيازها للإنسان، لكنها تفترق عنه في اتساع النفس السردي، رغم الانتقادات التي طالت لغتها الشاعرية العالية.
وفي تقييمها للمشهد الشعري في طرطوس، أكدت صالح أن الحركة الشعرية تقف اليوم في منطقة وسطى بين الحيوية والانتظار. فهناك حضور لافت للأصوات الشابة المدفوعة بالمبادرات الثقافية والأمسيات الأدبية، مشيرة إلى الشاعر الشاب يزن عيسى الذي حقق حضورًا مميزًا في مسابقة أمير الشعراء. وفي المقابل، يظل الشعراء المخضرمون ذاكرة حية تمنح القصيدة عمقها واستمراريتها.
وختمت صالح بالإشارة إلى أن المشهد الشعري في طرطوس غني لكنه يحتاج إلى مزيد من الجسور بين الأجيال، مبينة أن المشكلة ليست في غياب الموهبة، بل في استمرارية الرعاية وصناعة الفرص. ودعت إلى تعزيز منصات النشر الحديثة، ودعم الورشات النقدية، وفتح حوار حقيقي بين الشعراء الشباب والمخضرمين، معتبرة أن طرطوس "مدينة الشعراء والتميّز" التي تستحق أن يأخذ نتاجها مكانه في المشهد الثقافي الأوسع.
ومن قصيدة "تحية" من ديوانها "على السطر الأخير" نقتطف هذه الأبيات:
حيّاكَ بالورد
في ماذا تُحيّيهِ !
يا قلبُ فأعزفني لحنا
في مغانيه..
لملِم من الضوء
عقداً حول منحره
واسكب من العين
موسيقى تناجيه..
دع مايقال عن العشاق انهم
شكل الجنون بهم
أضحوا مراسيه..
ذُب بالخليل فقد
فاض الحشا شغفاً
حد الفناء به
كي ما تُرى فيه..
مثل النسيمات وقت الفجر
ضاحكة
أو كالنسائم في روض
تناغيه..
حلّق إلى ماوراء الغيب منتشياً
إذ لم يسعك وجود
في مبانيه..
اقتصاد
ثقافة
ثقافة
ثقافة