الأردن يرفع الحظر عن المنتجات السورية برسوم جمركية "تعجيزية": انفتاح شكلي أم حماية اقتصادية؟


هذا الخبر بعنوان "عناق تجاري أم خنق جمركي؟ الأردن يفتح أبوابه للمنتجات السورية بـ "أقفال" التعرفة!" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تنفسّت الأوساط التجارية السورية الصعداء مع إعلان وزارة الصناعة والتجارة الأردنية عن القرار رقم (34) لعام 2026، الذي يقضي برفع الحظر عن استيراد سلع سورية كانت مقيدة لسنوات. ظاهريًا، بدا المشهد وكأنه استعادة للدفء في العلاقات التجارية بين البلدين. إلا أن الواقع كشف للمصدرين السوريين عن جدار عالٍ من "رسوم الحماية الجمركية" التي تستهدف بشكل خاص قدراتهم التنافسية، لا سيما في قطاعي الصناعات الغذائية والمنسوجات.
وبينما كانت الأصوات الصناعية داخل سوريا تصف القرار بأنه "رفع شكلي للحظر" وتطالب بالرد بالمثل عبر فرض رسوم تصل إلى 100% على الإسمنت الأردني، أصدرت غرفة تجارة دمشق بيانًا "دبلوماسيًا" اعتبرت فيه القرار "خطوة إيجابية"، رغم إقرارها بأن الرسوم "عالية جداً". في المقابل، رأى قطاع واسع من الصناعيين والمصدرين أن هذه الخطوة الأردنية لا تعدو كونها "انفتاحًا شكليًا" محاطًا برسوم جمركية تعجيزية، تهدف إلى تقويض الميزة التنافسية للمنتج السوري، خاصة في قطاعي الألبسة والصناعات الغذائية.
في حديثه لـ "هاشتاغ"، يفكك الخبير الاقتصادي يونس الكريم المقاربة الأردنية للملف، مشيرًا إلى أنها لا تنفصل عن "الفوبيا الأمنية" التي تسيطر على صانع القرار في عمّان. ويوضح الكريم أن "عودة تجارة المخدرات تثير مخاوف الأردن، خاصة مع تصدر شخصيات محسوبة على هذه التجارة للمشهد، مثل اتحاد المصدرين والمستوردين العرب في مجلس إدارة مكتبه الإقليمي في سوريا". ويضيف أن هذه المخاوف تتفاقم مع احتمال انتقال "عدوى الفوضى" عبر الحدود بعد التسويات المتعلقة بهيئة الكسب غير المشروع.
ويشير الكريم إلى أن القلق الأردني يمتد ليشمل محاولات تهريب الأسلحة في ظل التوترات الإقليمية ورغبة بعض الفصائل بفتح جبهات جديدة. ويفسر القرار الأردني بأنه "محاولة لتقليص الضغط دون إثارة ذعر شعبي داخلي حول هذه المخاوف، وكذلك عدم الانخراط في الشأن الداخلي السوري عبر إيصال رسالة واضحة بإمكانية الاستغناء عن معابر إضافية كمعبر السويداء، والاكتفاء بتواصل تجاري في حده الأدنى ومراقب بشدة".
على الصعيد الاقتصادي، يرى الكريم أن الأردن يقرأ الفوضى والقرارات الارتجالية في إدارة الملف الاقتصادي بدمشق كعامل تهديد إضافي. ويلفت إلى أن التصريحات المتفائلة والمتسرعة لبعض المسؤولين السوريين، التي ركزت على قوة السوق المحلية وانفتاحها، أسهمت في دفع الأردن لتبني سياسات اعتبرت السوق السورية فرصة واعدة لتصريف منتجاته.
غير أن هذه التوقعات اصطدمت لاحقًا بجملة من الإجراءات السورية، أبرزها تقييد دخول الشاحنات الأجنبية إلى الأراضي السورية إلا في حالات الترانزيت، عبر ما يعرف بنظام "المناقلة"، مما رفع تكلفة الشاحنة بين 500 و800 دولار، إضافة إلى غياب الضمانات الأمنية الكافية لعملها داخل البلاد.
في المقابل، ردّ الأردن بإجراءات حمائية، تمثلت في فرض رسوم مرتفعة وصلت إلى نحو 65% على بعض السلع ذات المنشأ السوري، تحت مسمى "رسوم الحماية" وبذريعة تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، إلى جانب حماية الصناعة المحلية الأردنية التي شهدت نموًا ملحوظًا خلال سنوات الحرب في سوريا واستفادت من تراجع المنافسة السورية في تلك الفترة.
ويعتبر الكريم أن رسالة عمّان هنا واضحة ومفادها: "أن عمّان تتعامل مع الخطاب السوري بميزان الأفعال لا التصريحات. فإذا كانت دمشق تطرح نفسها كسوق منفتحة، لكنها في الواقع تفرض قيودًا وإجراءات حمائية، فإن الأردن سيقابل ذلك بسياسات مماثلة، تحكمها قواعد السوق الصارمة ومبدأ المعاملة بالمثل، كما تُطبَّق فعليًا لا كما تُعلَن نظريًا". وفي هذا السياق، يحلل الكريم التحركات الأردنية الأخيرة بأنها "استخدام لأوراق الضغط لإجبار الجانب السوري على العودة لطاولة التفاوض". ويشدد على أن الهدف الاستراتيجي للأردن يتجاوز إدخال البضائع إلى سوريا، ليوضح: "عمّان تبحث عن تأمين خط ترانزيت آمن ومحمي من السرقات والتعديات وصولاً إلى السوق التركية، والتي تُعد الهدف التجاري الأكبر لها من وراء هذا الانفتاح".
في رده على سؤال حول أوراق القوة التي تمتلكها دمشق للرد على هذه القيود، يبدو تحليل الكريم حاسمًا، إذ يؤكد أن سوريا "لا تمتلك حاليًا أوراق ضغط اقتصادية حقيقية". ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن التلويح ببدائل، مثل فتح مسارات لاستيراد النفط عبر العراق، لا يخدم تهدئة التوتر بقدر ما يسهم في استفزاز عمّان ومفاقمة القيود المفروضة، لافتًا إلى أن مثل هذه الخيارات كان يمكن طرحها ضمن إطار تنسيقي مع الأردن، خاصة في ظل الدور التاريخي الذي لعبته المملكة كمعبر رئيسي للتجارة مع العراق لفترات طويلة.
ويضيف أن البدائل الأخرى لا تبدو أكثر استقرارًا؛ فالسوق التركية تواجه تحديات داخلية مرتبطة بمعدلات التضخم المرتفعة، إلى جانب حالة عدم اليقين الناتجة عن قرارات البنك المركزي السوري في مناطق شمال غرب الفرات، ولا سيما ما يُتداول حول منع التعامل بالليرة التركية دون تنسيق واضح مع أنقرة. أما مسارات الترانزيت نحو دول الخليج، فلا تزال محاطة بتعقيدات لوجستية وأمنية، ما يجعلها خيارات محدودة الجدوى في المدى القريب، على حد تعبيره.
ويحذر الخبير الاقتصادي الكريم من أن استمرار هذه المعركة الجمركية سيترتب عليه آثار سلبية مباشرة على الاقتصاد السوري، حيث من المتوقع أن يؤدي إلى توقف العديد من الصناعات عن العمل، ما يفاقم معدلات البطالة وإلى عودة التضخم للارتفاع نتيجة شح القطع الأجنبي الناجم عن تعثر الصادرات.
يخلص الكريم في تحليله إلى أن الأزمة الحقيقية تكمن في "عقلية إدارة الأزمات" التي تنتهجها دمشق، معتبرًا أن الإدارة الحالية "تُبنى على قناعات ذاتية وليس على لغة الأرقام". وردًا على دعوات "المعاملة بالمثل" التي قد تحرم المستهلك السوري من مواد أساسية للإعمار، يقدم الكريم حلاً عمليًا يتمثل في "تشكيل غرفة طوارئ اقتصادية فورية تضم وزراء المالية والاقتصاد وحاكم البنك المركزي". ويحدد مهمة هذه الغرفة بـ "صياغة خطة استيراد وتصدير استراتيجية لمدة عام كامل، تحدد الاحتياجات بدقة، وتقيم البدائل المتاحة، وتدرس كيفية إحلال السلع المحلية، بعيدًا عن الارتجال والانفعال.
تأتي هذه التطورات في ظل خلل صارخ في الميزان التجاري بين البلدين، حيث تُظهر بيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية قفزة في الصادرات الأردنية إلى سوريا لتصل إلى 217.5 مليون دولار، مقابل 90 مليون دولار فقط للمستوردات من سوريا. هذا الخلل دفع بعض الأصوات التجارية السورية للمطالبة بالمعاملة بالمثل، واقتراح فرض رسوم تصل إلى 100% على المستوردات الأردنية ذات القيمة العالية، وعلى رأسها الإسمنت ومواد البناء.
اقتصاد
سوريا محلي
اقتصاد
اقتصاد