سوريا ما بعد الأسد: تحديات القيادة الجديدة في إدارة العلاقات الإقليمية والدولية


هذا الخبر بعنوان "وسط الصراعات.. كيف يواصل قادة سوريا الجدد إدارة الفوضى المحيطة بهم؟" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، كشف تقرير لموقع "ذا إنسايدر" عن مدى تعقيد المشهد السوري وعلاقاته الإقليمية. ورغم الصعوبات، نجحت الحكومة السورية الجديدة في تجنب حرب أهلية جديدة، وأعادت بناء شبكة معقدة من العلاقات الإقليمية والعالمية، متفاعلة مع قوى كبرى مثل إسرائيل والولايات المتحدة وتركيا وروسيا وإيران ولبنان.
بدأ التقرير بتسليط الضوء على الديون الإيرانية المتراكمة على سوريا خلال سنوات الحرب الأهلية (2011-2024). على الرغم من عدم وجود أرقام رسمية، يقدر الخبراء هذه الديون بما يتراوح بين 30 و50 مليار دولار، وتشمل قروضاً نقدية، وإمدادات نفط وأسلحة، وقطع غيار عسكرية وصناعية، وسلعاً أخرى. كانت خطة إعادة الإعمار السورية بعد الحرب، التي كشف عنها صحفيون في السفارة الإيرانية بدمشق بعد إخلائها، تتوقع عائداً هائلاً يصل إلى 400 مليار دولار للشركات الإيرانية، مما يشير إلى طموح طهران ليس فقط في استرداد أموالها بل وتحقيق أرباح كبيرة.
لكن بعد سقوط نظام الأسد، تضاءلت آمال طهران في تغطية تكاليف استثماراتها. فقد أوضح أحمد الشرع، في أول خطاب له بعد انتصاره في الحرب الأهلية، أن العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستخضع لإعادة نظر جذرية. لم يُدلِ الشرع أو المسؤولون الإيرانيون بتصريحات واضحة حول الديون. ففي مناسبة واحدة، وبعد أيام من فرار الأسد، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، صحة تقديرات الـ 30 مليار دولار، دون تحديد المبلغ الفعلي المستثمر أو المطلوب استرداده. ومنذ تغيير السلطة، لم تشهد سوريا أي تواصل علني بين دمشق وطهران، حيث تتم جميع الاتصالات الرسمية بشكل غير مباشر عبر وسطاء من تركيا وقطر ودول أخرى في الشرق الأوسط، وتصفها وزارة الخارجية الإيرانية بعبارات عامة ومبهمة.
في المقابل، تحافظ الحكومة السورية الجديدة على علاقات وثيقة مع روسيا، الحليف الرئيسي الآخر للنظام السابق. يرى "ذا إنسايدر" أن هذا التواصل لافت للنظر، مرجحاً أن الزعيم السوري لا يكنّ مودة عميقة للرئيس الروسي، الذي يتحمل مسؤولية مباشرة عن الحرب الأهلية. ومع ذلك، يبدو أن الشرع يسعى لاستغلال طموحات فلاديمير بوتين الجيوسياسية لصالح بلاده.
يوضح التقرير أن التوصل إلى اتفاقات مع الروس أسهل بالنسبة للشرع مقارنة بالإيرانيين. فقد فرضت طهران أيديولوجيتها ومعتقداتها على السوريين، من خلال إنشاء مراكز دينية ومساجد شيعية في بلد ذي أغلبية سنية، ومحاولة تغيير التركيبة العرقية والدينية للمدن السورية. أما الروس، فلم يقصفوا سوريا لفرض مذهب معين، بل كان هدفهم الأساسي الحفاظ على السيطرة على قاعدتي طرطوس وحميميم العسكريتين، اللتين تعدان معقلين رئيسيين لطموحات الكرملين الجيوسياسية ومراكز لوجستية لتزويد الفيلق الأفريقي ووحدات أخرى تعمل في أفريقيا. يدرك الشرع أن التخلي عن الوجود الروسي في سوريا يمثل هزيمة مؤلمة لموسكو، ولذلك يضغط على روسيا للاحتفاظ بالقواعد تحت سيطرتها، مقابل إلغاء أو إعادة هيكلة ديون دمشق لموسكو، التي تقدر بمليار إلى ملياري دولار، ودور فاعل في إعادة إعمار البلاد.
من المواضيع الأخرى التي تُناقش بين دمشق وموسكو مصير الرئيس السابق الأسد، الذي فرّ إلى روسيا. يعتقد "ذا إنسايدر" أن الشرع يثير باستمرار مسألة تسليم الأسد خلال محادثاته، ربما بهدف انتزاع تنازلات إضافية بعد رفض روسيا الامتثال.
لا يقتصر الأمر على الجانب المالي، فالسلطات السورية الجديدة بحاجة لمواجهة الأعمال العدائية الإسرائيلية، التي شملت احتلال مناطق حدودية، ودعم معارضي إدارة الشرع، وقصف أهداف في دمشق. يهدف الإسرائيليون إلى توسيع "المنطقة العازلة" بين أراضيهم والأراضي التي يسيطر عليها الشرع، وإضعاف الجيش السوري بدعم جماعات معادية داخل سوريا.
تجري السلطات الجديدة في دمشق مناقشات جادة مع موسكو حول نشر دوريات عسكرية روسية بالقرب من الحدود الإسرائيلية، أملاً في أن يتجنب الإسرائيليون الصدام مع الكرملين. ومع ذلك، لم تقدم موسكو وعوداً ملموسة بعد، ويستمر احتلال إسرائيل لجزء من الأراضي السورية. هذا الاحتلال شكل مفاجأة غير سارة للسلطات الجديدة، خاصة وأن الشرع كان قد أعرب عن رغبته في إيجاد أرضية مشتركة مع إسرائيل، ووعد بأن بلاده لن تشكل تهديداً للدولة اليهودية، مطالباً في المقابل بالتخلي عن احتلال مرتفعات الجولان وإعادتها إلى دمشق مع ضمانات بعدم نشر قوات أو أسلحة فيها.
بالنسبة لإسرائيل، تُعدّ قضية مرتفعات الجولان بالغة الحساسية، حيث ضُمّت رسمياً وتُعتبر جزءاً لا يتجزأ من الدولة بموجب القانون الإسرائيلي، وقد اعترفت الولايات المتحدة بهذا الضم في عام 2019. لا تثق إسرائيل بالشرع، وتدعو إلى تصفيته، ليس خوفاً من ماضيه المتطرف بقدر خشيتها من التعقيدات الإقليمية التي قد تترتب على عملية السلام. للحفاظ على وضع مستقر، تعتمد إسرائيل على الضربات الاستباقية ضد أي أهداف عسكرية سورية قد تهدد أمنها، وتزود الانفصاليين الدروز في سوريا بالغذاء والأسلحة، وتقدم لهم الدعم اللوجستي والعلاج في المستشفيات الإسرائيلية، بزعم حماية مجتمع صديق. وقد منحت المذابح بحق الدروز في عام 2025، على يد قوات موالية للسلطة السورية الجديدة، إسرائيل ذريعة لتوسيع منطقة احتلالها في سوريا.
رحّب لبنان عموماً بتغيير النظام في سوريا. فقد عانى لبنان، الذي استقبل نحو 1.5 مليون لاجئ سوري، من آثار الحرب الأهلية. أتاح انتهاء الحرب للكثيرين العودة إلى ديارهم، مما خفّف الضغط على الخدمات الاجتماعية والاقتصاد اللبناني. ومع السلطات السورية الجديدة التي تُظهر احتراماً للسيادة اللبنانية وتُركز على القضاء على "حزب الله" اللبناني الموالي للأسد، تُتاح فرصة حقيقية لتحسين العلاقات بين دمشق وبيروت.
مع ذلك، لم يتحقق انفراج حقيقي بعد، ويعود ذلك جزئياً إلى تاريخ العلاقات بين رئيسي الدولتين. فالرئيس اللبناني الحالي جوزيف عون، كان هو الجنرال الذي قاد وحدات الجيش اللبناني على الحدود السورية عام 2017، وهزم قوات "داعش" و"جبهة النصرة"، التي كان يقودها آنذاك الشرع نفسه. كما يبدي لبنان، بتنوعه العرقي والديني، بعض التحفظات حيال تفضيل السلطات السورية للأغلبية السنية العربية في البلاد.
بعد مرور أكثر من عام على تغيير السلطة في دمشق، لم تتحقق أياً من التوقعات المتطرفة؛ لا التنبؤات القاتمة بتحول سوريا إلى معسكر جهادي ضخم، ولا الأحلام الوردية بحل سريع لجميع الأزمات. يرى "ذا إنسايدر" أن القيادة في دمشق تواجه تحديات جسيمة تتمثل في إعادة الإعمار بعد الحرب، وصياغة هوية وطنية جديدة، وتهديدات الانفصاليين في المناطق الحدودية. ومع ذلك، تبدو هذه التحديات ضئيلة مقارنة بأهوال الحرب الأهلية التي عانت منها البلاد بالفعل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة