إيران ومضيق هرمز: سياسة المرور الانتقائي تخلق سوقاً مزدوجة للطاقة وتغير موازين التجارة العالمية


هذا الخبر بعنوان "مرور انتقائي في مضيق هرمز: أرقام تعيد رسم خريطة السوق العالمية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتبنى إيران سياسة "المرور الانتقائي" في مضيق هرمز، مما أحدث فوارق كبيرة في تكلفة الطاقة بين الدول. فالدول التي تحتفظ بعلاقات مستقرة مع طهران، مثل الصين والهند، تستمر في تلقي إمدادات شبه منتظمة. وتشير تقديرات السوق إلى أن قارة آسيا تستحوذ على حوالي 70% من صادرات نفط الخليج، مما يجعل أي تسهيلات في العبور عنصراً حاسماً لاستقرار أسعارها المحلية. لم يُغلق المضيق بشكل كامل، لكن التغيير الفعلي يكمن في تكلفة العبور وهوية المستفيدين منه.
حول تأثير سياسة المرور الانتقائي على الأسعار، أوضح الخبير الاقتصادي أحمد عقل في حديثه مع "النهار" أن إيران لم تُغلق المضيق كلياً، بل طبقت سياسة "المرور الانتقائي". سمحت هذه السياسة بعبور محدود لسفن تابعة لدول محددة، بينما فرضت قيوداً على سفن أخرى. وقد أدى ذلك إلى تراجع كبير في حركة العبور بالمضيق، حيث يقدر المحللون أنها بلغت حوالي 5% فقط من مستواها الطبيعي، بعد أن كانت تشهد مرور نحو 100 سفينة أو ناقلة يومياً.
وأضاف عقل أن هذا التقييد ساهم في ارتفاع أسعار النفط بنحو 50%، لتصل إلى حوالي 110 دولارات، كما أثر بشكل جلي على اختلال توزيع الإمدادات. فقد أصبحت هذه الإمدادات تتجه نحو دول معينة دون غيرها، ما يشبه إعادة توجيه لمسار التجارة العالمية، خاصة تجارة النفط والطاقة. ورغم أن هذه السياسة قد خففت من حدة الصدمة الأولية، إلا أنها لم تقدم حلاً جذرياً للأزمة، حيث لا تزال كميات الطاقة العابرة للمضيق أقل من المستويات المطلوبة لتلبية احتياجات الدول الصناعية.
تسعى إيران إلى ترسيخ سيطرتها على هذا الممر المائي الحيوي من خلال أدوات تشريعية واقتصادية. في هذا الصدد، صرح البرلماني محمد رضا رضائي كوجي بأن مشروع قانون يهدف إلى تقنين سيادة إيران على المضيق رسمياً، بما في ذلك الإشراف عليه وفرض رسوم عبور كرافد للدخل، في خطوة تعكس تحولاً نحو السيطرة الرسمية على الممرات البحرية. وفي سياق متصل، ذكرت "بلومبرغ" أن إيران بدأت بفرض رسوم على بعض السفن التجارية العابرة، والتي قد تصل أحياناً إلى مليوني دولار.
لقد أفضى هذا الوضع عملياً إلى ظهور سوق مزدوجة للطاقة:
على صعيد التجارة العالمية، تُقدر قيمة السلع التي تعبر المضيق سنوياً بأكثر من تريليون دولار، مما يعني أن أي ارتفاع في التكلفة، حتى لو كان طفيفاً، ينعكس مباشرة على أسعار السلع عالمياً، بدءاً من الوقود وصولاً إلى الغذاء.
وأشار عقل إلى أن دولاً مثل روسيا وباكستان تستفيد من هامش أمان نسبي، مما يمكنها من تجنب جزء من هذه التكاليف. في المقابل، أعلنت إيران استثناء الشاحنات وناقلات النفط العراقية من القيود المفروضة، وذلك لضمان استمرارية الصادرات العراقية.
وأضاف عقل أن مضيق هرمز قد تحول إلى أداة ضغط جيوسياسية واقتصادية محورية، مما دفع العديد من الدول إلى التدخل دبلوماسياً لضمان استمرار الملاحة. ومن المتوقع أن تشهد المرحلة القادمة زيادة في بناء المخزونات الاستراتيجية من النفط، وتطوير مسارات نقل جديدة، بالإضافة إلى توجه الدول نحو تنويع اقتصاداتها ومصادر طاقتها بدلاً من الاعتماد على مصدر واحد. كما يُتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تحولات جوهرية على صعيد التحالفات الاقتصادية والمعطيات العالمية.
وتابع عقل قائلاً: "على الرغم من التحديات، من غير المرجح أن يصل الاقتصاد العالمي إلى حالة من الهشاشة المطلقة، حيث تميل الدول إلى إيجاد حلول حتى لو كانت مكلفة أو تضغط على ميزانياتها، خاصة فيما يتعلق بسلعة أساسية كالنفط." كما يُتوقع أن يكون لإدارة التدفق عبر مضيق هرمز تأثير كبير على عدة جوانب، منها تسريع جهود تنويع مصادر الدخل في دول الخليج، حيث نجحت دول مثل الإمارات وقطر والسعودية في رفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي إلى مستويات مرتفعة، وصلت في بعض الحالات إلى نحو 40%.
إن ما يحدث في مضيق هرمز يكشف عن تحول هيكلي في الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد الجغرافيا وحدها هي من يحدد مسار التجارة، بل أصبحت السياسة تلعب دوراً محورياً. فبينما تستفيد بعض الدول من "امتياز المرور"، تجد دول أخرى نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً، تتسم بارتفاع التكلفة وتراجع القدرة التنافسية. وهكذا، يتحول المضيق من مجرد ممر عالمي إلى أداة لإعادة توزيع الأرباح والخسائر، ضمن اقتصاد تُرسَم خطوطه الآن بميزان القوى، وليس فقط بقوانين السوق.
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة