مجزرة دوما الكيماوية: ثماني سنوات من الجريمة والبحث عن عدالة غائبة


هذا الخبر بعنوان "ثماني سنوات على مجزرة دوما الكيماوية: ذاكرة مفتوحة على العدالة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يصادف اليوم الثلاثاء مرور ثماني سنوات على مجزرة السلاح الكيماوي المروعة في مدينة دوما بريف دمشق، والتي تُعد من أبشع الهجمات التي صدمت الضمير العالمي خلال سنوات الثورة السورية. لا تزال تداعيات هذه المجزرة، سواء السياسية أو الإنسانية أو القانونية، قائمة حتى يومنا هذا، في ظل غياب أي مساءلة دولية حاسمة.
وقعت مجزرة دوما في 7 نيسان/أبريل 2018، في خضم حملة عسكرية واسعة النطاق شنتها قوات النظام السابق، مدعومة بشكل مباشر من الطيران الروسي وميليشيات تدعمها إيران. كان الهدف من هذه الحملة السيطرة على مدن وبلدات الغوطة الشرقية، التي كانت تمثل حينها آخر معاقل المعارضة قرب العاصمة دمشق. في تلك الفترة، كانت المفاوضات مستمرة لإخراج مقاتلي المعارضة وعدد من المدنيين من المدينة، ضمن ما عُرف باتفاقات “التسوية”. لكن تعثر هذه المفاوضات، بحسب معطيات ميدانية وشهادات محلية، أدى إلى استخدام السلاح الكيماوي كأداة ضغط لإجبار السكان والفصائل على الموافقة على الخروج، وهو ما حدث بالفعل بعد أيام قليلة من الهجوم.
شهدت دوما في ذلك اليوم هجومين كيماويين متتاليين. وقع الهجوم الأول حوالي الساعة الثالثة عصراً بالقرب من مبنى “فرن سعدة”، مما أسفر عن إصابة نحو 15 شخصاً بحالات اختناق وصعوبة في التنفس. أما الهجوم الثاني، الذي كان الأشد فتكاً، فقد وقع مساءً قرابة الساعة الثامنة، عندما ألقت مروحيات تابعة للنظام برميلين متفجرين يحملان غازات سامة على مبنيين سكنيين في منطقة النعمان قرب ساحة الشهداء. وبحسب توثيقات محلية، أودى هذا الهجوم بحياة ما لا يقل عن 39 مدنياً خنقاً، من بينهم 10 أطفال و15 امرأة، كما أصيب نحو 550 شخصاً بأعراض تنفسية وعصبية. في المقابل، وثّق الدفاع المدني السوري مقتل 41 مدنياً وإصابة أكثر من 500 آخرين، غالبيتهم من النساء والأطفال الذين كانوا يحتمون في الأقبية هرباً من القصف. كانت المشاهد التي تلت الهجوم صادمة للغاية؛ حيث تجمعت جثث الضحايا فوق بعضها داخل الأبنية، وظهرت على وجوههم علامات الاختناق الواضحة، مثل ازرقاق الجلد وخروج الزبد من الفم، في مشهد استدعى إلى الذاكرة أبشع صور استخدام الأسلحة المحظورة دولياً.
لم يقتصر الهجوم على استخدام السلاح الكيماوي فحسب، بل شمل أيضاً استهدافاً مباشراً وممنهجاً للقطاع الطبي وفرق الإنقاذ، سواء قبل الهجوم أو بعده. فقد تعرض مشفى دوما التخصصي وشعبة الهلال الأحمر للقصف قبل ساعات من وقوع الهجوم الكيماوي، كما استُهدفت سيارات الإسعاف والطرق المؤدية إلى موقع القصف بعد وقوعه، مما عرقل جهود الإغاثة بشكل كبير وزاد من حصيلة الضحايا.
بعد خمسة أيام فقط من المجزرة، تمكنت قوات النظام من إحكام سيطرتها الكاملة على مدينة دوما. في المقابل، جرى تهجير آلاف المدنيين والمقاتلين إلى مناطق شمالي سوريا، ضمن اتفاقات الإجلاء القسري، لتضع بذلك حداً لمعركة الغوطة الشرقية التي استمرت لسنوات طويلة.
في آذار/مارس 2019، أكدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية استخدام مادة سامة خلال الهجوم على دوما. وقد أظهر التقرير النهائي الصادر عن بعثة تقصي الحقائق أن العينات الطبية والبيئية التي جُمعت من موقع الهجوم تشير بوضوح إلى استخدام “الكلور الجزيئي”. هذا الاستنتاج عزز الاتهامات الدولية الموجهة للنظام السابق باستخدام أسلحة محظورة، على الرغم من نفي دمشق المتكرر ودعم موسكو لموقفها.
عقب صدور التقرير، شنت روسيا حملة انتقادات حادة ضد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في محاولة واضحة لتقويض نتائج التحقيق. وقد وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خبراء المنظمة بأنهم “قذرون”، في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً. في المقابل، أكد المدير العام للمنظمة فيرناندو أرياس تمسكه التام بنتائج التحقيق، مشدداً على مصداقية الأدلة التي تثبت استخدام الكلور في الهجوم.
في تموز/يوليو 2019، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن تشكيل فريق تحقيق جديد يتمتع بصلاحيات تحديد الجهة المسؤولة عن الهجمات الكيماوية في سوريا، بما في ذلك هجوم دوما. جاء هذا الإعلان بعد توسيع صلاحيات المنظمة بقرار من الدول الأعضاء، في خطوة سعت لسد الفراغ الناجم عن عجز مجلس الأمن عن اتخاذ إجراءات حاسمة بسبب الانقسامات الدولية. إلا أن هذا المسار واجه عقبات كبيرة، أبرزها رفض النظام السوري التعاون مع فريق التحقيق، ومنعه من دخول البلاد، فضلاً عن رفضه الاعتراف بنتائج التحقيقات.
في تطور لاحق، كشفت المنظمة في تقرير صدر عام 2021 أن النظام السوري قام بنقل وتدمير أسطوانتين يُشتبه في استخدامهما بالهجوم، دون إبلاغ المنظمة أو الحصول على موافقتها. ادعت دمشق أن الأسطوانتين دُمِّرتا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت موقعاً تحت الأرض، لكن التقرير لفت إلى عدم إخطار المنظمة بنقل هذه الأدلة، مما أثار شكوكاً قوية حول محاولة طمس معالم الجريمة.
في آذار/مارس 2022، أكدت مسؤولة أممية رفيعة أن السلطات السورية لم تقدم المعلومات المطلوبة بخصوص برنامجها الكيماوي، وأن إعلانها عن إنهاء هذا البرنامج “غير دقيق وغير كامل”. وأشارت إلى وجود تناقضات وثغرات في البيانات المقدمة، وهو ما يتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي، وفي مقدمتها القرار 2118.
وفقاً للجنة السورية لحقوق الإنسان، فإن استخدام السلاح الكيماوي في دوما يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ويصنف كجريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما يتعارض هذا الاستخدام مع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، خاصة القرارات 2118 و2209 و2235، التي تحظر استخدام هذه الأسلحة وتفرض مساءلة المسؤولين عنها.
بعد مرور ثماني سنوات على المجزرة، لا تزال دوما ترمز إلى معاناة المدنيين السوريين، وتشكل دليلاً على تعقيدات المشهد الدولي في التعامل مع الجرائم الكبرى. وعلى الرغم من توفر الأدلة والتقارير الأممية، لم تسفر التحقيقات حتى الآن عن محاسبة مباشرة للمسؤولين، وذلك في ظل استمرار الانقسامات السياسية على الصعيد الدولي. ومع ذلك، تظل المجزرة حية في ذاكرة السوريين، كشاهد على إحدى أقسى اللحظات في تاريخ النزاع، وكقضية مفتوحة تنتظر تحقيق العدالة، بينما تتواصل الجهود الحقوقية لتوثيق الانتهاكات وملاحقة مرتكبيها أمام المحاكم الدولية.
سوريا محلي
سياسة
سياسة
سياسة