مصياف: مدينة سورية تتجاوز الانقسامات بتنوعها ووعيها المجتمعي


هذا الخبر بعنوان "مصياف.. وجوه سوريا المتعددة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُبرز مدينة مصياف، وفقًا لما رصدته عنب بلدي عبر آلاء شعبو، نموذجًا فريدًا للتعايش المجتمعي، حيث تتجاوز الانتماءات الطائفية حدود العائلة الواحدة لتشمل تفاصيل الحياة اليومية. ففي هذه المدينة، لا يُعد الزواج بين أبناء المكونات المختلفة أمرًا مستغربًا، كما أن تداخل الانتماءات في السوق والمناسبات الاجتماعية لا يتحول إلى حواجز فاصلة، بل يبقى ضمن إطار التقبل والتعايش السلمي.
تاريخيًا، يُعد الإسماعيليون المكون الأبرز في مدينة مصياف، وترتبط بهم قلعتها الشهيرة كرمز أساسي للهوية المحلية. ومع ذلك، تشهد المنطقة تنوعًا سكانيًا واسعًا، حيث يتعايش إلى جانبهم أهل السنة، بينما يشكل العلويون الغالبية في ريف مصياف. كما تضم المنطقة أقليات من المسيحيين والكرد، بالإضافة إلى وجود تركمان في قرى محددة مثل قرية بيت ناطر. ووفقًا لإحصائيات أمانات السجل المدني لعام 2010، بلغ عدد سكان مصياف 34,469 نسمة.
السوق: مساحة التقاء يومية
يتجاوز سوق مصياف وظيفته التجارية ليصبح مركزًا حيويًا للتفاعل الاجتماعي اليومي، حيث يلتقي سكان المدينة بوفود الريف باستمرار. وفي حديثه لعنب بلدي، أوضح الإعلامي قاسم الشيخ علي، وهو أيضًا صاحب محل تجاري في مصياف، أن "السوق لا يعتمد فقط على أبناء المدينة، بل يعتمد أساسًا على أبناء الريف. فابن الريف يحتاج إلى السوق لتصريف منتجاته، وابن المدينة بحاجة إلى الزبائن، وهذا ما أوجد علاقات جميلة جدًا". هذا التعاون الاقتصادي المتبادل بين المدينة والريف لم يقتصر على تبادل السلع فحسب، بل أسهم في نسج شبكة قوية من العلاقات الاجتماعية القائمة على المنفعة المشتركة، مما عزز ثقافة التفاهم بين المكونات المختلفة وولد نوعًا من الاعتماد المتبادل الذي يقلل من فرص التصادم.
مناسبات تجمع لا تفرّق
تتجاوز الأعياد والمناسبات في مصياف حدود الطوائف لتصبح ملتقى جامعًا للسكان. وروى الإعلامي قاسم الشيخ علي أنه زار قبل أيام قرية عين حلاقيم، حيث شارك أصدقاءه المسيحيين احتفالهم بأحد الشعانين، وهو مشهد يجسد عمق العلاقات بين أبناء المنطقة. وأكد أن "كل مكوّن يمارس طقوسه دون تدخل من أي طرف آخر، وهم متقبلون لبعضهم". ولا يقتصر هذا التفاعل على الحضور فحسب، بل يمتد ليشمل تبادل التهاني والزيارات، مما يقوي الروابط الاجتماعية ويجعل من هذه المناسبات فرصة لتجديد العلاقات بين السكان، بعيدًا عن أي حساسيات.
نشاط سياسي وثقافي متنوع
سياسيًا، شهدت مصياف حضورًا ملحوظًا لتيارات فكرية متنوعة، من القوميين والناصريين إلى الشيوعيين والإسلاميين، حيث كانت النقاشات الفكرية جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، مما عزز تقبل الاختلاف وتبادل الآراء. ورغم تراجع هذا النشاط في فترات لاحقة، إلا أن أثره ظل راسخًا في وعي السكان وثقافتهم العامة. وعلى الصعيد الثقافي، بادر مثقفون في المدينة إلى تنظيم فعاليات أسهمت في تعزيز الحوار والانفتاح، مما جعل من مصياف مساحة تتجاوز حدودها الجغرافية الضيقة، وتؤكد على الدور المحوري للثقافة في تقريب وجهات النظر بين المكونات المختلفة. (الصورة المرفقة: لا يقتصر دور سوق مصياف على كونه مركزًا تجاريًا بل يشكّل نقطة يلتقي فيها أهالي المدينة مع الزوار القادمين من الريف – 11 أيلول 2025 (هيثم حسن/فيسبوك))
وعي يجنّب المدينة الصراع
خلال فترات النزاع، ساهم هذا التداخل المجتمعي في حماية مصياف نسبيًا من الانزلاق إلى صراعات واسعة. وفي هذا السياق، صرح محمد خضور، أحد سكان قرية دير ماما، بأن "هناك وعيًا كبيرًا بين الناس بضرورة تجنيب المنطقة أي صراع محتمل. فالعلاقة بين الجميع، سواء في المدينة أو الريف، جعلت الكل حريصًا على عدم تصعيد الأمور". هذا الوعي، الذي تدعمه شبكة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية المتشابكة، لعب دورًا محوريًا في الحفاظ على استقرار المنطقة مقارنة بمناطق أخرى، وأثبت قدرة المجتمع المحلي على إدارة خلافاته دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة.
مشهد يلخص الحكاية
تقف قلعة مصياف، التي تُعد أهم معالم المدينة، شامخة على صخرة بيضاوية يبلغ طولها حوالي 170 مترًا وعرضها نحو 60 مترًا. تتألف القلعة من طبقات متعددة بُنيت بشكل هرمي، حيث حُفرت الأجزاء السفلية في الصخر لتُستخدم كخزانات للمياه ومخازن، بينما ضمت الطبقات العليا مرافق الحياة من غرف وساحات، مما يعكس نمط حياة متكاملًا داخلها عبر فترات زمنية مختلفة. وصرح المدير السابق لقلعة مصياف، نزار عليقي، لعنب بلدي، بأن أقدم ذكر للقلعة في المصادر التاريخية يعود إلى عام 999 ميلاديًا. وقد تعاقبت عليها قوى متعددة، وبلغت ذروة أهميتها في القرن الثاني عشر عندما أصبحت مركزًا للدعوة الإسماعيلية في عهد راشد الدين سنان. لاحقًا، شهدت القلعة صراعات مع قوى إقليمية، بما في ذلك محاولات حصار من قبل صلاح الدين الأيوبي، قبل أن تنتقل إلى الحكم المملوكي ثم العثماني، حيث سكنها الأهالي لفترات طويلة، وصولًا إلى استخدامها كثكنة عسكرية خلال فترة الانتداب الفرنسي، قبل أن تخضع لعمليات ترميم حديثة أعادت إحياء حضورها التاريخي والسياحي. من القلعة، يمكن للمرء أن يرى مساجد متعددة المذاهب متقاربة، والكنيسة على مسافة قريبة، في مشهد يجسد واقع المدينة بتنوعها الواضح وغير المنفصل. في مصياف، قد لا يكون التعايش مثاليًا دائمًا، لكنه مستمر بفضل العلاقات اليومية والمصالح المشتركة والوعي الجمعي الذي تشكل عبر سنوات طويلة، مما يجعل من هذه المدينة الصغيرة نموذجًا حيًا لإمكانية التعايش رغم كل التباينات.
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة