الحرية الإعلامية في سوريا: تحديات التنظيم ومساعي صياغة مدونة سلوك في مرحلة ما بعد النظام


هذا الخبر بعنوان "صحفيون يناقشون حدود الحرية الإعلامية في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتضح ملامح المرحلة الجديدة في سوريا، ومعها تتشكل معايير الحرية في العمل الإعلامي، ضمن مسار الحريات الذي كان من أبرز الشعارات التي رفعها السوريون مع انطلاق الثورة في آذار 2011. وبعد سقوط النظام الذي حكم سوريا بالقمع والشمولية وقيد العمل الصحفي والإعلامي، تتجه الأنظار إلى مستوى الانفتاح الذي تقدمه الإدارة السورية الجديدة، من خلال فتح الأبواب أمام المنصات الإعلامية والمؤسسات الصحفية، بالإضافة إلى ما يُعرف بـ"المؤثرين" والنشطين على وسائل التواصل الاجتماعي.
بالمقابل، ما زالت حدود وضوابط هذا العمل وهذه الحرية ضبابية في سوريا، في ظل غياب التشريعات الكافية التي تنظم العمل الإعلامي. وقد أدى هذا الغياب، في أحد أشكاله، إلى بروز خطاب أجّج الشارع بالخطاب الطائفي والتحريضي، ومن جانب آخر، إلى إغلاق منصات إعلامية بدعوى عدم استكمال الأوراق اللازمة للترخيص، واتهام بعضها بالتحريض على الكراهية، وهو ما نفته هذه المنصات.
وبحسب ما رصدته عنب بلدي عبر استطلاع حاز على أكثر من 50 تعليقًا من مستخدمي منصة "فيسبوك"، فقد تباينت آراء رواد التواصل الاجتماعي بين معارض ومؤيد لقرارات الوزارة. ودعا معلقون إلى ضبط العمل الإعلامي في سوريا وتنظيمه والابتعاد عن العشوائية.
"هاشتاغ" و"جسور نيوز" تردان على قرار المنع.. رابطة الصحفيين تدعو لـ"وساطة مهنية"
في هذا السياق، قال مدير قناة "حلب اليوم"، محمد سرحيل، إن "الحرية هي الصرخة الأولى التي صدحت بها حناجر السوريين، وهي منبر افتقدناه منذ عقود، والشعار الذي تحلّقنا حوله". وبعد سقوط النظام، تُثار تساؤلات حول سقف الحريات في الفضاء الإعلامي الذي تحتاجه سوريا، خاصة بعد انفتاح الأبواب التي كانت مغلقة في ظل نظام الأسد، وتحسن المشهد بشكل ملحوظ.
ووفقًا لمنظمة "فريدوم هاوس" المعنية بقياس الحريات والديمقراطية حول العالم، والتي تستند إلى الحريات السياسية والمدنية والإعلامية، فقد تحسن مستوى الحريات في سوريا عام 2025 بخمس درجات عن العام الذي سبقه. وكانت سوريا قد حصلت في عام 2024 على درجة واحدة على مقياس الحرية في العالم، بحسب تصنيف "فريدوم هاوس".
بالرغم من هذا التقدم، ما زالت سوريا ضمن خانة "غير حرة" في تصنيف "فريدوم هاوس"، التي أشارت إلى أنها في طور التعافي من عقود من الحكم الاستبدادي الأسري. وأوضحت المنظمة أن قادتها الجدد (سوريا) أشرفوا على تقدم متواضع في إعادة بناء المؤسسات السياسية وتخفيف القيود المفروضة على الحقوق الأساسية، مما ساهم في زيادة النقاط. وذكرت أن الحكومة الانتقالية والمواطنين يواجهون "تحديات جسيمة" في بناء نظام ديمقراطي بعد أكثر من نصف قرن من الديكتاتورية، وأن الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2011 دمرت المؤسسات العامة والبنية التحتية، بينما يزيد الاستقطاب الطائفي والعنف المستمر من تعقيد الجهود المبذولة لإنشاء آليات عدالة انتقالية ذات مصداقية وإرساء سيادة القانون.
"الإعلام الهادف" وتحديات "هندسة الوعي"
في سياق متصل، عقدت مؤسسة "كاف للإعلام" ملتقى بعنوان "الإعلام الهادف" في محافظة حلب، بحضور عدد من الإعلاميين والباحثين والمختصين في القطاع الإعلامي، بالإضافة إلى مسؤولين حكوميين، أبرزهم مديرا الثقافة والإعلام في المحافظة. الملتقى، الذي حضرته عنب بلدي في 6 نيسان الحالي، ناقش عدة محاور ركزت على دور الرسالة الإعلامية في حفظ هوية المجتمع وثقافته الأصيلة وحمايته من التضليل.
وعلى الرغم من التوجه الإسلامي للمؤسسة المنظمة ومعظم الحضور، أكد المحاضرون والقائمون على الملتقى أن "الإعلام الهادف" لا يقتصر على المنصات ذات التوجه الإسلامي، بل يندرج على كل وسيلة إعلامية لها هدف تنموي ومجتمعي "إيجابي". وناقشت الجلسات، التي تكونت من محورين رئيسيين، أبرز مشكلات الساحة الإعلامية الحالية ومخاطرها، وكيفية الارتقاء بالإعلام الهادف في سوريا.
ورأى سرحيل أن ملتقى "الإعلام الهادف" يمثل خطوة أولى نحو "إعلام مسؤول هادف" يبني الأسرة والدولة والمجتمع. وتكمن أهمية "هندسة الوعي" في فضاء الإعلام الجديد، وفقًا لسرحيل، كواجب ديني وأخلاقي ووطني، لا سيما في مرحلة "حساسة" لإعادة بناء سوريا ببشرها قبل حجرها. وهنا يكمن التحدي، بحسب سرحيل، في ظل "التخريب الكبير" الذي دأب عليه النظام عبر عقود، خاصة في الأعوام الأخيرة.
"حرية عشوائية" ومسؤولية الإعلام
صرح سرحيل لعنب بلدي بأن الحرية التي يحتاجها السوريون اليوم ليست كما يراد لها أن تكون من قبل البعض، موضحًا أنها أصبحت، عند البعض، "مجرد شعار وستار"، بل "سيفًا مسلطًا على رقاب المخالفين" وفق تعبيره. من جانبه، وصف الأكاديمي والمتخصص في الإعلام والتواصل، معاوية الدمشقي، الحالة في سوريا بـ"الحريات العشوائية"، مشيرًا إلى سوء فهم من قبل الجمهور السوري حول ماهية آلية الحرية وكيف تستخدم.
وأكد مدير مديرية الإعلام في حلب، عبد الكريم ليلة، إيمانه بحرية الرأي والتعبير، وأن الحرية هي أحد قيم الثورة السورية، لكنه أشار إلى أن الحرية المطلقة لا يمكن أن تتحقق، سواء في الإعلام أو غيره. ويرى سرحيل أن سوريا أمام "فرصة تاريخية" قد لا تتكرر، مؤكدًا رغبته في حرية لا قمع فيها، لكنه بالمقابل لا يريد أي فوضى إعلامية، مشيرًا إلى أن الإعلام لا يزدهر في بيئة القمع، ولا يستقيم في بيئة الفوضى.
ما الإعلام الذي تحتاجه سوريا اليوم؟
يرى مدير قناة "حلب اليوم"، سرحيل، أن ما تحتاجه سوريا اليوم هو التركيز على حرية الإعلام المسؤول، الذي ينتقد دون أن يكذب، ولا يفجر في الخصومة ولا يشتم. ويريد سرحيل إعلامًا يحترم القيم والأخلاق، ولا يقتحم خصوصيات الناس ويجعلها مائدة تلوكها أفواه الملايين، قائلًا إن "الحرية لا تعني أن أسلط قلمي أو لساني زورًا أو بهتانًا على من أريد بدون أن أتحمل نتائج ما أفعل".
كذلك قال ليلة إن الإعلام ليس هدفه التشهير والابتزاز، وإنما يحمل رسالة سامية يسعى إلى تحقيقها عبر المنصات الإعلامية سواء كانت رسمية أو مستقلة. وحول ضبط المشهد الإعلامي، قال الأكاديمي والمدرس في جامعة "حلب" إن الحرية الإعلامية لها ضوابط تلتزم بتشريعات إعلامية، تكون السلطة أحد مصادرها. وتتمثل مسارات التشريعات الإعلامية الأخرى بالمجتمع والعرف المجتمعي، وفق ما يراه الدمشقي، منوهًا إلى ضرورة مراعاتها عند وضع تشريعات إعلامية ناظمة تقوم عليها أجهزة القضاء والسلطة القضائية، وذلك لضبط هذه الحريات، ولئلا تكون سلاحًا مدمرًا للمجتمع أولًا، وللثقافة ثانيًا، وتؤدي إلى أزمات جنائية بين أفراد المجتمع.
المطلوب الآن: ضبط الحريات ووضع القوانين
المطلوب الآن، وفق ما يراه الدمشقي، هو ضبط الحريات الموجودة في سوريا من النواحي القضائية، بالتعاون مع وزارات العدل والثقافة والإعلام، من خلال مختصين يتابعون ويدرسون هذا المجتمع. ودعا إلى وضع القوانين الناظمة لحماية الأفراد أولًا، ثم المؤسسات، وفرض منظومة قضائية تحدد ماهية الجرائم الإلكترونية أو الاعتداءات على الأفراد والمجتمعات والمؤسسات. وقال إن الضوابط غير معلومة لدى الجمهور، لمعرفة ما هو مسموح وما هو ممنوع، لذلك يجب توضيحها كي يصار إلى تطبيقها على الواقع.
وسبق أن قال الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إن مستوى حرية التعبير في سوريا اليوم واسع، ولكن في الوقت نفسه هناك حالة من الفوضى الإعلامية نتيجة غياب الضوابط الواضحة. وأضاف الرئيس الشرع، خلال لقاء جمعه بصحفيين وإعلاميين، أن "كل من يخطر بباله أمر يتحدث به في الإعلام، وقد يهاجم الناس على أساس طائفي دون أن يحاسبه أحد، وقد يؤثر ذلك في وضع أمني بالغ الحساسية، فهو ينشر دون معرفة، والتعطش لحاجة الشفافية وممارسة الحريات، يجب أن يكون له برنامج".
مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام 2026
نوه مدير مديرية الإعلام في حلب، عبد الكريم ليلة، في حديثه لعنب بلدي، إلى أن وزارة الإعلام سعت مؤخرًا، بالمشاركة مع المؤسسات الإعلامية والفاعلين والمهتمين بالعمل الإعلامي، للوصول إلى مدونة السلوك. وقال إن المدونة تحفظ حقوق الإعلاميين والمجتمع أيضًا، وتحفظ حقوق الصحفيين فيما بينهم، والحقوق بين الصحفيين والمجتمع. ويأمل ليلة أن تصل سوريا إلى الحرية المطلوبة، من حرية الرأي والتعبير، إلى حرية العمل السياسي، مؤكدًا ارتباط الملفين ببعضهما، إذ يرى أنه لا يمكن إطلاق حرية الإعلام بشكل منفصل عن باقي مؤسسات المجتمع، سواء في التربية أو الثقافة أو حتى السلطة السياسية.
وحول ضوابط الحرية الإعلامية، قال إن هناك مساحة تحافظ عليها وزارة الإعلام، بين الضوابط والحرية، مشيرًا إلى ثوابت مشتركة يتم الاتفاق عليها حاليًا. وهذا ما تم السعي له في المدونة، بأن يكون هناك اتفاق أخلاقي، وفق ليلة، مؤكدًا أن هذا يرتبط برفع مستوى الوعي في كل المجالات وقطاعات المجتمع السوري، للإيمان بأهمية الإعلام بالدرجة الأولى. وقد أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، وقُدمت هذه المدونة باعتبارها مرجعًا معياريًا يهدف إلى تنظيم العمل الإعلامي وتعزيز مبادئ الدقة والمسؤولية المهنية.
تسعى المدونة، التي شاركت في صياغتها عدة وسائل إعلام، من ضمنها عنب بلدي، إلى تنظيم العمل الإعلامي وفق مبادئ مهنية وأخلاقية توازن بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية، بما يسهم في حماية المصلحة العامة وتعزيز السلم الأهلي. كما تحظر المدونة نشر أو ترويج خطاب الكراهية أو التحريض على العنف أو التمييز الطائفي أو العرقي، مؤكدة أن دور الإعلام يتمثل في تعزيز قيم التعايش والاحترام المتبادل بين مكونات المجتمع. وتبقى حرية الإعلام في سوريا مسألة لم تُحسم بعد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة