منهجية التلقي لا الذاكرة: د. عبد الكريم بكار يكشف أسباب نسيان ما نقرأ وكيف نتجاوزه


هذا الخبر بعنوان "لماذا ننسى ما نقرأ..؟!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشكو الكثير من القراء، لا سيما الشباب منهم، من ظاهرة نسيان ما يقرؤون؛ فبعد قضاء ساعات طويلة مع كتاب ما، يجد أحدهم نفسه عاجزاً عن استحضار أفكاره الرئيسية، أو حتى تلخيص جوهره في جمل واضحة. هذا الشعور بالإحباط قد يدفع البعض إلى العزوف عن القراءة كلياً، معتقدين أن عقولهم "أوعية مثقوبة" لا تحتفظ بالمعلومات.
يؤكد د. عبد الكريم بكار أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في "الذاكرة" بحد ذاتها، بل في "منهجية التلقي". فنحن ننسى لأننا نتعامل مع القراءة بطريقة "المستهلك" لا بطريقة "الباحث". وفيما يلي بعض الأسباب المنهجية التي تؤدي إلى هذا النسيان، وكيف يمكننا تجاوزها:
يميل العقل البشري إلى إهمال المعلومات التي لا يجد لها وظيفة فورية. فعندما تقرأ كتاباً دون أن يكون لديك تساؤل مسبق تبحث عن إجابته، أو ثغرة معرفية ترغب في سدها، فإن عقلك يتعامل مع هذه المعلومات كـ "عابر سبيل" لا كـ "ضيف مقيم". إن القراءة الهادفة تبدأ دائماً بصياغة سؤال واضح.
القراءة المثمرة هي بمثابة "حوار بين عقلين"، وليست مجرد استسلام من عقل لآخر. إن المرور السريع على الأسطر دون التوقف للتعليق، أو النقد، أو الربط بين فكرة الكتاب وأفكار أخرى تعرفها، يجعل المعلومة سطحية وعابرة. لذا، استخدم القلم لتدوين ملاحظاتك على الهامش، وعارض المؤلف أو وافقه؛ فهذا "الاشتباك الفكري" هو ما يرسخ الفكرة في الوجدان.
لقد انتشرت ظاهرة "المفاخرة بعدد الكتب المقروءة"، مما حوّل القراءة إلى سباق لتقليب الصفحات. في الواقع، قراءة كتاب واحد بعمق، والتأمل في فصوله، وإعادة قراءة الفقرات المركزية فيه، أنفع للعقل بكثير من قراءة عشرة كتب تمر عليها مرور الكرام. فالعقل يحتاج إلى وقت كافٍ "لهضم" المعنى وتثبيته في مكانه الصحيح.
أقصر طريق لنسيان فكرة هو عدم العمل بها. فالمعلومة التي لا تتحول إلى "سلوك" عملي، أو لا تُناقش في مجالس العلم، أو لا تُكتب في مقال، هي معلومة محكوم عليها بالضياع. القراءة النافعة هي تلك التي تدفعك للتساؤل بعد كل فصل: "كيف يمكنني أن أطبق هذا في حياتي أو في طريقة تفكيري؟".
في بعض الأحيان، لا ننسى الأفكار تماماً، بل تذوب في وعينا لتشكل "البوصلة" التي توجه حركتنا وتفكيرنا. لا تحزن إذا غابت عنك التفاصيل الصغيرة أو الأرقام، فالمهم هو استيعاب "الروح العامة" للكتاب وكيف غيرت في نظرتك للأمور. إن الوعي هو ما يتبقى في عقولنا بعد أن ننسى الكثير مما قرأناه.
خلاصة القول: لا تقرأ لكي "تحفظ"، بل اقرأ لكي "تتغير". فإذا أحدث الكتاب فيك تغييراً، أو وسّع مداركك، أو عدّل سلوكك، فقد أدى غرضه وإن غابت عن ذاكرتك تفاصيله. اجعل الكتاب "شريكاً" في رحلة وعيك، وستجد أن ما ينفعك سيمكث في أرض عقلك يقيناً.
(أخبار سوريا الوطن - صفحة الكاتب)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة