غزوان قرنفل يحذر: سياسات سوريا الحالية تدفعها نحو مصير الدولة الفاشلة


هذا الخبر بعنوان "سوريا.. الهرولة نحو الدولة الفاشلة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يؤكد الكاتب غزوان قرنفل أن سوريا لم تصل بعد إلى مرحلة الدولة الفاشلة بالمعنى الشامل للكلمة، إلا أن التراكم المتزايد للمؤشرات ينذر بوضوح بأن البلاد تسير بخطوات متسارعة نحو هذا المصير. فالدول لا تتحول إلى كيانات فاشلة بين عشية وضحاها، بل تتجه نحو هذه الحالة نتيجة لسلسلة طويلة من القرارات والسياسات والإجراءات الخاطئة التي تتراكم مع مرور الزمن، مما يجعل التراجع عنها أكثر صعوبة وتكلفة.
ويوضح قرنفل أن مفهوم الدولة الفاشلة ليس مجرد وصف بلاغي أو اتهام سياسي، بل هو حالة محددة المعالم والمواصفات في علم السياسة. تتمثل هذه الحالة في دولة تفقد قدرتها على إدارة شؤون مجتمعها، وتعجز عن توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، وتتدهور فيها المؤسسات إلى درجة تصبح معها عاجزة عن فرض القانون أو تحقيق أدنى مستويات الاستقرار. وعندما تبلغ الدول هذه المرحلة، فإنها تفقد معناها الحقيقي كدولة، لتتحول إلى كيان هش لا يحمل من الدولة سوى اسمها، ويصبح أقرب إلى إقطاعيات جغرافية تديرها عصابات لا مؤسسات حقيقية.
ما يثير القلق، وفقًا للكاتب، هو أن العديد من السياسات والقرارات المتخذة حاليًا في سوريا تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا لما تحتاجه الدول الخارجة من الحروب والأزمات العميقة. فبدلاً من العمل على بناء مؤسسات قوية ومحايدة، يتم إضعاف ما تبقى من مؤسسات الدولة من خلال قرارات ارتجالية أو تعيينات تعتمد على الولاء بدلاً من الكفاءة. وبدلاً من ترسيخ مبدأ سيادة القانون والمساءلة، تتجذر ممارسات تعمق الفوضى وتفتح المجال أمام شبكات النفوذ والمصالح الخاصة.
ويشير قرنفل إلى أن الخطر الأكبر لا يكمن في قرار معين أو سياسة محددة، بل في الاتجاه والنسق العام الذي تسير عليه الأمور. فعندما تتكرر الأخطاء في السياسات الاقتصادية، وتسرع السلطة في تصفية وبيع أصول الدولة وممتلكاتها، وتغيب الرؤية الواضحة لإعادة الإعمار والتنمية، وتُمنح العطاءات والامتيازات بطرق تثير الشبهات حول معاييرها، فإن النتيجة الحتمية لذلك هي تآكل متزايد في بنية الدولة وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
ويعتبر الكاتب أن اعتماد الزبائنية في التعيينات بالمناصب القيادية يشكل عاملاً حاسماً في مستقبل أي دولة. فمعايير الاختيار تصبح حينها مرتبطة بالانتماءات الضيقة أو العلاقات الشخصية أو الولاءات السياسية، بدلاً من الخبرة والكفاءة. وهذا يؤدي إلى تحول مؤسسات الدولة تدريجياً إلى هياكل شكلية عاجزة عن أداء مهامها، ومع مرور الوقت تتراكم الأخطاء الإدارية ويتسع الفارق بين احتياجات الدولة وما تستطيع مؤسساتها تقديمه.
ولا يقل خطورة عن ذلك غياب السياسات الواضحة لمعالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع. فالدولة التي تعجز عن تأمين الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي أو توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، تفتح الباب أمام تآكل الثقة بينها وبين المجتمع. ومع تراجع هذه الثقة، يبدأ الناس بالبحث عن بدائل خارج إطار الدولة، سواء كانت شبكات محلية، أو سلطات أمر واقع، أو علاقات حماية خاصة، وكلها مؤشرات تقود في النهاية إلى تفكك مفهوم الدولة ذاته.
يؤكد قرنفل أن الطريق نحو الدولة الفاشلة ليس غامضاً أو مجهول المعالم، فقد شهد العالم نماذج عديدة لدول سلكت هذا المسار، وكانت العلامات التحذيرية واضحة قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة. تبدأ هذه العملية عادةً بتآكل المؤسسات، ثم بضعف القانون، ثم بتغوّل المصالح الخاصة، قبل أن تتحول الدولة تدريجياً إلى كيان هلامي بلا شكل أو ملامح واضحة، مجرد اسم بلا مضمون. لهذا السبب، يجب أن يدق ما يجري اليوم ناقوس الخطر، فاستمرار السياسات الحالية بالمنهج ذاته سيقود عاجلاً أم آجلاً إلى النتيجة التي يخشاها الجميع: دولة تفقد قدرتها على إدارة نفسها ومجتمعها، وحينها لن يكون الحديث عن الإصلاح سهلاً، لأن الخلل سيكون قد وصل إلى عمق الدولة ذاتها.
يختتم قرنفل بالقول إن الفرصة لا تزال سانحة اليوم لتجنب هذا المصير، لكن ذلك يتطلب تحولاً جذرياً وكاملاً في السياسات العامة، استدارة حقيقية بمقدار 180 درجة. فنحن بحاجة إلى الانتقال من منطق إدارة السلطة إلى منطق بناء الدولة، ومن عقلية الولاءات الضيقة إلى معيار الأهلية والكفاءة، ومن القرارات المرتجلة إلى التخطيط المدروس القائم على رؤية واضحة لمستقبل البلاد. فالدول لا تُبنى بالشعارات أو الاحتفالات الخرقاء، بل بالمؤسسات القادرة، والقانون العادل، والسياسات الرشيدة. وإذا لم يحدث هذا التحول الجذري في طريقة إدارة الشأن العام، فإن سوريا ستجد نفسها بعد سنوات قليلة، وربما قبل انتهاء مدة المرحلة الانتقالية، أمام واقع جديد وأكثر سوءاً مما هي عليه الآن، واقع لا يمكن فيه الزعم بوجود دولة حقيقية، بل مجرد بقايا وحطام لدولة فوتت فرصة النهوض، وهرولت سريعاً نحو وسم الدولة الفاشلة.
ثقافة
سياسة
سياسة
سياسة