الفن التشكيلي السوري: توثيق للألم، صياغة للأمل، وذاكرة حية للثورة


هذا الخبر بعنوان "الفن التشكيلي السوري في زمن الثورة.. ذاكرة الألم ومساحة الأمل" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
خلال سنوات الثورة السورية، برز الفن التشكيلي السوري كمنبر تعبيري عميق، جسّد التحولات المجتمعية وما رافقها من آلام وآمال. تحولت الأعمال الفنية إلى شهادات بصرية حية، توثّق المعاناة وتخلّد التضحيات، وفي الوقت ذاته، تعكس تطلعات الشعب السوري نحو الحرية والكرامة.
أكد الدكتور محمد صبحي السيد يحيى، رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين، في تصريح لوكالة سانا، أن الفن التشكيلي السوري مثّل أداة حيوية للتعبير عن آلام الشعب السوري ومعاناته وتضحياته إبان الثورة. وأوضح أن الأعمال الفنية تجلّت في صور متعددة، من جدران الزنزانات واللوحات الفنية إلى بصمات عفوية في الشوارع، لتعكس بذلك الانتفاضة ضد الظلم والاستبداد.
وأضاف يحيى أن الفنانين حوّلوا معاناتهم إلى رسومات توثّق عمليات القتل والدمار التي ارتكبها النظام البائد، كما خلّدت بطولات الثوار. ولفت إلى الدور المحوري للفن في كشف الحقائق، حيث ساهمت اللوحات التي وثّقت جرائم النظام البائد، من قصف واعتقالات وتعذيب، في نقل الصورة إلى العالم الخارجي وحشد التأييد للثورة، واصفاً الفن التشكيلي بأنه "الناطق الرسمي لآلام الشعب السوري".
كما بيّن يحيى أن الفن اضطلع بدور أساسي في توثيق التضحيات، من خلال أعمال تصوّر الشهداء وتخلّد لحظات الدفاع عن الكرامة، مما يحفظ الذاكرة السورية ويبقي ذكرى الأبطال حية للأجيال القادمة. وأشار إلى أن الثورة أتاحت آفاقاً جديدة للفن، عبر تطوير الأساليب والتقنيات وتعزيز التواصل مع الفنانين حول العالم.
من جانبه، أكد الفنان التشكيلي صالح الهجر على الإسهام الكبير للفن التشكيلي السوري في توثيق معاناة الشعب وجذب انتباه العالم الخارجي لما يحدث في سوريا. ودعا إلى أهمية إنشاء متاحف فنية متخصصة لتخليد تاريخ الثورة السورية عبر الفن التشكيلي.
وأوضح الهجر وجود العديد من الأعمال التي وثّقت الأحداث على المستويات التشكيلية والموسيقية والأدبية. وتناول تجربته الشخصية في إنجاز أعمال توثّق مسار الثورة منذ بدايتها، بما في ذلك التهجير والمعاناة الإنسانية.
وكشف الهجر عن أحد مشاريعه، وهو عمل بانورامي معروض في متحف كولن لثقافات الشعوب في ألمانيا، يوثّق "التدمير الممنهج الذي طال أكثر من 40 موقعاً أثرياً". وأكد أن الثورة كانت "رافداً فكرياً مهماً للفنان التشكيلي"، وفتحت آفاقاً جديدة أمام الفن السوري.
بدوره، أشار الفنان أسامة دياب إلى أن ظروف الثورة والرقابة الأمنية المشددة من قبل النظام البائد حدّت من مساحة العمل الفني داخل مناطق سيطرته، باستثناء محاولات حذرة. في المقابل، ازدهر نشاط الفنانين في المناطق المحررة من سيطرة النظام البائد، حيث وثّقوا الأحداث عبر الجداريات.
وأوضح دياب أن التأثير الفني في الخارج ظل محدوداً في أحيان كثيرة، مستعرضاً تجربته الشخصية في معرض "زاوية حادة" الذي أقامه في دمشق، والذي سعى من خلاله إلى تسليط الضوء على معاناة المعتقلين رغم المخاطر الجسيمة.
وأكد دياب أنه بعد "انتصار الثورة وسقوط النظام"، بدأت حركة الفن التشكيلي تستعيد زخمها، مع إنجاز أعمال جديدة، منها جدارية "سردية الثورة السورية" التي أنجزها بالتعاون مع الفنانين مروان جوبان وعدنان حميدة، وعُرضت في مركز الفنون البصرية.
وفي سياق متصل، بيّن الفنان عدنان حميدة أن الفن التشكيلي السوري تأثر عميقاً بأحداث الثورة، فتحولت اللوحات إلى شهادات بصرية تجسّد الألم الإنساني والدمار والتهجير، فضلاً عن رموز الصمود والحرية. وأشار إلى أن العلاقة بين الفن والثورة كانت "تبادلية"، حيث أثر كل منهما في الآخر.
ولفت حميدة إلى تنوع الأعمال الفنية بين الطرح المباشر والرمزية والسريالية، مع تركيزها على موضوعات المعاناة الإنسانية. وأكد أن المرحلة الراهنة تتجه نحو مسارين رئيسيين: توثيق الذاكرة من جهة، واستشراف المستقبل من جهة أخرى.
ويرى متابعون أن الفن التشكيلي السوري يقف اليوم أمام فرصة حقيقية للنهوض، مستفيداً من التجربة الثرية التي أفرزتها سنوات الثورة، وما نتج عنها من موضوعات وأساليب فنية مبتكرة. ومع ذلك، يواجه تحديات تتعلق بالحفاظ على المعايير الفنية وضبط إيقاع المشهد التشكيلي في ظل اتساع دائرة المشاركين.
في الختام، يؤكد الفن التشكيلي السوري أنه لم يكن مجرد مرآة تعكس الواقع، بل شريك فاعل في صياغته، وذاكرة حية تحفظ تفاصيله، وتعيد تقديمها بلغة الجمال، حتى في أحلك الظروف وأكثر اللحظات قسوة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة