جنوب الحسكة: أزمة مياه خانقة تفرض "عيشاً أمرّ" وتداعيات صحية ومعيشية قاسية


هذا الخبر بعنوان "في جنوبي الحسكة.. “مياه مرّة” وعيشٌ أكثر مرارة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قرية قانا، جنوبي مدينة الحسكة، أصبح تفقد خزان المياه عادة يومية لأبي أحمد الخلف ومعظم الأهالي، قبل البدء بأي نشاط آخر. ففي ظل قلق دائم من نفاد الماء وارتفاع تكلفة تأمينه، بات الحفاظ على كمية كافية لعائلته المكونة من خمسة أشخاص أمراً لا يمكن التهاون فيه، كما يقول الخلف. ويضيف أن تأمين المياه لا يغيب عن تفكيره، إذ لم يعد الحصول عليها سهلاً، وتزداد كلفتها على العائلات التي تعيش أصلاً تحت ضغط معيشي متواصل.
تعتمد القرية على مصدرين رئيسين للمياه. الأول، مياه صالحة للشرب تُنقل عبر صهاريج من "محطة نفاشة" لتحلية المياه، القريبة من جبل كوكب شرقي مدينة الحسكة، ويصفها الخلف بأنها الأفضل لعدم حاجتها لفلترة إضافية. أما المصدر الثاني، فهو آبار تقع على أطراف مدينة الحسكة، وتُستخدم مياهها في الغسيل والاستخدامات المنزلية الأخرى، رغم جودتها الأقل.
لكن جودة المياه لا تعني سهولة الوصول إليها. فمياه الصهاريج الصالحة للشرب باهظة الثمن، حيث يبلغ سعر خزان بسعة خمسة براميل نحو 50 ألف ليرة سورية، مما يدفع معظم الأسر إلى حصر استخدامها في الشرب والطهو فقط. يوضح الخلف أن عائلته تضطر لتقنين استهلاكها بدقة، فالخزان الواحد يكفيها أسبوعاً، وقد يمتد إلى عشرة أيام في أفضل الأحوال مع الترشيد. أما مياه الآبار، فرغم أنها أقل كلفة نسبياً (نحو 40 ألف ليرة سورية للكمية نفسها)، فإنها غير صالحة للشرب أو الطهو. وعند الضرورة، تلجأ بعض العائلات إلى معالجتها بوسائل منزلية بسيطة، كغليها وتركها لتبرد قبل استخدامها.
لا تملك جميع عائلات القرية القدرة على شراء المياه من هذين المصدرين بانتظام، مما يدفع بعضها للاعتماد على مياه الآبار السطحية المحفورة قرب المنازل. هذه المياه غالباً ما تكون مالحة، نتيجة ارتفاع نسبة المعادن فيها، ويطلق عليها الأهالي في جنوبي الحسكة، حيث يعيش أكثر من 300 ألف نسمة، اسم "المياه المرّة"، في إشارة إلى طعمها اللاذع. ورغم أنها غير صالحة للشرب، تُستخدم في التنظيف والغسيل وسائر الأعمال المنزلية. لكن حتى هذا النوع من المياه، الذي كان متاحاً نسبياً، لم يعد الوصول إليه سهلاً، فالحفر الذي كان بعمق 40 إلى 50 متراً في السابق، يتطلب اليوم عمقاً يقارب 100 متر، مما يضاعف التكلفة ويصعب الاعتماد على الآبار.
لا تقف آثار هذه المياه عند حدود الألم الجسدي. في مدينة الشدادي، تجلس أم فارس تغسل أواني الطعام، وتشكو من تشققات في يديها تزداد ألماً بملامسة الماء غير العذب، مما يسبب لها شعوراً بالخجل من مظهر يديها. وللتخفيف من الألم، تلجأ أحياناً إلى استخدام جزء من المياه الأفضل جودة المخصصة للشرب، أو تحاول الاحتماء بالقفازات، لكن هذه الحلول تبقى محدودة.
الآثار لا تقتصر على النساء أو الأعمال المنزلية. في قرية قانا، يتحدث أمجد، أحد جيران أبي أحمد الخلف، عن تغيرات لاحظها على جلده بعد عودته من دمشق، حيث أصبح وجهه ويداه أكثر خشونة، ويربط ذلك باستخدام المياه المالحة في الغسيل والنظافة اليومية. ويضيف أن غسل وجهه ويديه بالماء البارد يسبب له ألماً أحياناً، خصوصاً في ظل عدم توفر الماء الساخن باستمرار.
تمتد تداعيات أزمة المياه أيضاً إلى من يعملون في نقلها وبيعها. يقول أبو الزين، صاحب صهريج لبيع المياه، إن هذه المهنة لم تعد مربحة، بل مرتبطة بخسائر متزايدة وتكلفة تشغيل تثقل كاهل أصحاب الصهاريج. ويشير إلى أن الجزء الأكبر من المبلغ الذي يجنيه يذهب لتأمين الوقود، إذ يبلغ سعر برميل المازوت الواحد نحو مليون ونصف المليون ليرة سورية.
يعزو المدير المكلّف بتسيير شؤون منطقة الشدادي، عدنان دويش، تفاقم مشكلة المياه إلى خروج معظم محطات تحلية المياه المخصصة لتخديم المنطقة عن الخدمة. ويشير إلى أن 11 محطة مخصصة للمنطقة لا تعمل منها حالياً أي محطة بكامل طاقتها. وبحسب دويش، فإن إعادة تشغيل هذه المحطات من شأنه أن يخفف جانباً كبيراً من الأزمة، إذ يمكنها أن تغطي ما بين 60 و70 بالمئة من احتياجات مياه الشرب في المنطقة.
لا يتشابه عبء المياه في جميع مناطق ريف الحسكة من حيث الكلفة فقط، بل أيضاً من حيث المسافات. ففي بلدة الهول، شرقي مدينة الحسكة، يرتفع سعر صهريج المياه ليتراوح بين 60 و70 ألف ليرة سورية، لكون أقرب محطة تبعد نحو 40 كيلومتراً، مما ينعكس على تكلفة النقل. يقول أحمد أبو عمر إن كثيراً من الأسر لا تستطيع شراء المياه بانتظام، فتكتفي باستخدامها للشرب وصنع الشاي، وتعتمد على "المياه المرّة" لغسل الأواني والثياب.
في قرية عبدان، جنوبي مدينة الحسكة، لجأ الأهالي إلى مصدر ثالث أقل تكلفة، وهو مياه الأمطار التي تُجمع داخل القرية أو تُنقل إليها من مناطق قريبة، ويبلغ سعر الخزان الواحد منها نحو 10 آلاف ليرة سورية. لكن أبو فاضل، أحد أبناء القرية، يؤكد أنها لا تصلح حتى للتنظيف أو لسقاية الحيوانات، وتُضاف إليها مواد معقمة عند استخدامها في التنظيف. ويذكر مازحاً أنه جربها لغسل سيارته، فلاحظ أن لون الطلاء تغير وأصبح باهتاً.
بعد ثماني سنوات قضاها في إدلب، عاد أكرم إلى منزل عائلته في قرية العطالة، جنوبي مدينة الحسكة. استقبله أقاربه بتعليق يحمل مزحاً وحقيقة: "بشرتك مضيئة، لكن انتظر أياماً قليلة وستصبح خشنة داكنة". ويضيف أن المياه، بطعمها ولونها وسعرها، باتت حاضرة في معظم أحاديث أهالي القرية، حتى كأنها الموضوع الذي لا يغيب عن المجالس اليومية. أما التشققات في اليدين وجفاف الوجه، فيقول إنهما لم يعودا حالات فردية، بل صارا سمة شائعة بين سكان قريته والقرى والبلدات المجاورة.
أُنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي