انسحاب التحالف الدولي من شرق سوريا: إعادة تموضع أمريكي وتغيير في موازين النفوذ الإقليمي


هذا الخبر بعنوان "انسحاب التحالف الدولي من سوريا: إعادة ترتيب النفوذ لا نهاية الدور الأمريكي" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يمثل الانسحاب الكامل لقوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، من المنطقة الشرقية في سوريا تحولاً عسكرياً لافتاً، لكنه لا يشير إلى نهاية الدور الأمريكي بقدر ما يعكس بدء مرحلة جديدة من إعادة ترتيب النفوذ الإقليمي والدولي داخل الأراضي السورية. فبعد مغادرة آخر القوات الأمريكية قاعدة قسرك الجوية بمحافظة الحسكة في 16 نيسان/أبريل 2026، تكون واشنطن قد أنهت وجودها العسكري المباشر الذي بدأ عام 2015 ضمن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "داعش".
تؤكد التقديرات السياسية أن هذا الانسحاب يندرج ضمن سياق أوسع لإعادة توزيع الأدوار، ولا يعني تراجعاً كاملاً عن التأثير في الملف السوري. وقد أفاد مصدر عسكري لـ« سوريا 24 » أن عملية الانسحاب تمت تدريجياً على مدى الأشهر الماضية، وشملت إخلاء قاعدة الشدادي والانسحاب من قاعدة التنف في شباط/فبراير الماضي، وذلك بتنسيق مباشر مع الحكومة السورية. بالتزامن مع ذلك، أعادت وحدات من الجيش السوري انتشارها في هذه المواقع، وتحديداً الفرقة 60 التي تسلمت نقاطاً استراتيجية في رميلان والشدادي وقسرك.
في تحليل أعمق لهذا التحول، يرى الدكتور سمير العبد الله، الباحث الأول في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، في تصريح خاص لـ«سوريا 24»، أن الوجود العسكري الأجنبي في سوريا أصبح اليوم ملفاً رئيسياً على طاولة التفاوض مع الحكومة السورية. ويشير العبد الله إلى أن سوريا كانت حتى وقت قريب ساحة صراع بين قوى متعددة، مما يجعل أي انسحاب جزءاً من إعادة ترتيب أوسع للمشهد. ويرى أن الخطوة الأمريكية لا تمثل تراجعاً، بل هي إعادة تنظيم للوجود العسكري في المنطقة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية والتوترات مع إيران. ويوضح أن واشنطن تهدف إلى إعادة ترتيب قواعدها وانتشارها لخدمة مصالحها الاستراتيجية، مع تقليص وجودها المباشر على الأرض.
ويشير الدكتور العبد الله إلى أن هذا الانسحاب تزامن مع تطورات داخلية مهمة، أبرزها الاتفاق الموقع في 29 كانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة السورية و"قوات قسد". وقد نص الاتفاق على إعادة دمج هذه القوات ضمن الجيش السوري وتنظيم الوضع الأمني في منطقة الجزيرة. ويُعد هذا الاتفاق عاملاً مسهلاً للانسحاب الأمريكي، حيث أصبحت الحكومة السورية تتولى مهام كانت تقوم بها القوات الأمريكية سابقاً، لا سيما في ضبط الأمن وملاحقة خلايا تنظيم "داعش". ووفقاً للعبد الله، يهدف تقليص الوجود العسكري الأمريكي إلى تحقيق أهداف واشنطن الاستراتيجية من خلال أدوات محلية، دون الحاجة إلى انتشار مباشر، مع استمرار التنسيق مع الحكومة السورية.
على الرغم من الانسحاب العسكري، يؤكد العبد الله أن الولايات المتحدة ستحافظ على دورها كلاعب رئيسي في سوريا، مشدداً على أن الوجود العسكري ليس العامل الوحيد لتحديد النفوذ. ويضيف أن واشنطن لا تزال تمارس تأثيراً واسعاً على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وتعتبر نفسها راعية للحكومة السورية الحالية ضمن إطار مشروط. كما يلفت إلى أن المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، يلعب دوراً محورياً في توجيه العديد من الملفات الداخلية، مما يؤكد استمرار الحضور الأمريكي بأشكال غير عسكرية.
في السياق ذاته، يتزامن الانسحاب الأمريكي مع تحولات في خريطة الوجود الأجنبي بسوريا. فقد اختفى الوجود الإيراني من البلاد بشكل شبه كامل منذ أواخر عام 2024، بعد سقوط النظام السابق، منهياً بذلك مرحلة طويلة من النفوذ العسكري المباشر لطهران. أما روسيا، فقد أعادت تموضع قواتها مؤخراً، مركزة وجودها في قاعدتي حميميم وطرطوس، بعد انسحابها من مواقع أخرى كمطار القامشلي، في خطوة تعكس توجهاً لتقليص الانتشار الميداني مع الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي.
أما بخصوص الوجود التركي في شمال سوريا، فيوضح العبد الله أنه لا يزال قيد النقاش ضمن مسارات تفاوضية إقليمية ودولية. ويشير إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس انسحاباً كاملاً، بل إعادة انتشار للقوات التركية. وقد تتضمن هذه الترتيبات بقاء القوات ضمن عمق يتراوح بين 5 و30 كيلومتراً على طول الشريط الحدودي السوري–التركي، سواء في إطار اتفاقية أضنة الموقعة عام 1998 أو ضمن صيغة جديدة محتملة، خاصة مع اقتراب موعد انعقاد مجلس الشعب السوري.
في الختام، يرى العبد الله أن ما تشهده سوريا حالياً هو عملية "إعادة تركيب للأوراق" تشمل الأبعاد العسكرية والسياسية، في ظل استمرار الوجود الأجنبي بأشكال متنوعة. ويعكس انسحاب التحالف الدولي تحولاً من مرحلة التدخل العسكري المباشر إلى نمط نفوذ غير مباشر، تتشابك فيه الأدوار المحلية والإقليمية ضمن توازنات جديدة، بينما يظل المشهد السوري مفتوحاً على احتمالات متعددة مع استمرار سعي الأطراف المختلفة لإعادة تثبيت مواقعها.
سياسة
سياسة
سوريا محلي
سياسة