المرحلة الانتقالية في سوريا: صدوع عميقة بين الإعلام، الأمن، وصندوق الاقتراع


هذا الخبر بعنوان "بين صندوق الاقتراع وفوضى الشارع: قراءة في صدوع المرحلة الانتقالية" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن ما شهدته البلاد بالأمس مجرد اعتصام عابر في سجل الأحداث اليومية المزدحمة، بل كان لحظة فارقة كشفت عن صدوع عميقة في جدار المرحلة الجديدة. هذه الصدوع تتجلى في الإعلام، وفي مفهوم الدولة، وفي الأخلاق السياسية. ومن منبر "زمان الوصل"، الذي آثر أن يبقى ضوءاً يكشف الطريق بعيوبه وجمالياته، نقدم هذه القراءة النقدية الشاملة للمشهد.
لدينا عتب كبير على طريقة نقل الأحداث. فالأغلبية الساحقة من المنصات والحسابات تقسم نفسها إلى معسكرين متناحرين: إما يمين يبرر كل شيء، وإما يسار يهاجم كل شيء. في خضم هذا الاستقطاب الحاد، تبرز حقيقة مرة: لعل "زمان الوصل" هي المنصة الوحيدة التي تحاول ممارسة فعل الصحافة كما ينبغي أن يكون. فالصحافة ليست "مطبلة" لأحد، كما أنها ليست "منصة هجوم وتشفي". الصحافة ليست مرآة تعكس ما يريده صاحب السلطة أو المال، بل هي ضوء كاشف في ليل دامس، يضيء الطريق بكل ما فيه: بحفره ومطباته، بإيجابياته وسلبياته، بجماليات المشهد وقبح مكامن الخلل. الصحافة هي العين المحايدة التي تلقي بالضوء على المشكلة كي يراها الناس ويقيموها بحياد.
اليوم، نعاني من وباء حسابات فيسبوكية تدعي أنها "ناشط إعلامي" أو "صحفي"، لكن عمل الإعلامي ليس أن يطبل لأحد أو يهاجم أحداً بناءً على الفتات الذي يصل إليه. عمله أن ينقل الحقيقة ويقيم بكل مصداقية. تماماً كما كان لدينا في زمن النظام البائد "شبيحة إلكترونية" يتهمون كل معارض لسياسات الحكومة بالعمالة لدول البترول والدولار، ويسوّغون اعتقاله وتعنيفه، نرى اليوم فئة جديدة تقوم نفسها عبر وسائل التواصل كـ"وصي على الحكومة" و"راعي للثورة". هؤلاء لا يقلون خطورة؛ لأنهم بممارستهم هذه لا يخدمون الحقيقة، بل ينتجون نسخة مشوهة عن الواقع، ويسيئون للحكومة قبل أن يدعموها.
النقطة الثانية تتعلق بوزارة الداخلية وقوات حفظ النظام. نحن هنا لا ننكر الجهد اللوجستي؛ لقد كان التنظيم والعدد ملحوظاً. ولكن، يُعاب على الأداء ذلك التناقض الصارخ في المعايير. في كل الأيام الماضية، خرجت مظاهرات مؤيدة للحكومة، وكانت الساحة سالكة وآمنة، ولم يكن هنالك أي طرف معارض يُقحم نفسه فيها ليعكر صفوها أو يمنع وصول صوت المؤيدين. لماذا؟ لأن الجميع يعرف قواعد اللعبة غير المكتوبة.
اليوم، هناك فئة من الناس أرادت إيصال صوتها. لا يهم إن كانوا كُثُراً أم قلة، كبر صوتهم أم خفت. هم بالنهاية جزء من الشعب أراد إيصال صوته سلمياً. لكن الطريقة التي تم التعامل بها كانت خاطئة ولا تعبر عن حياد السلطات. نحن لاحظنا بأم العين دخول عدد من المتظاهرين المؤيدين للدولة إلى وسط مظاهرات الطرف الآخر. هذا ليس تعددية، هذا اختراق ممنهج للساحة.
السلطات، ووزارة الداخلية، والأمن، والجيش... هذه مؤسسات يفترض أن تكون عقيدتها حفظ الأمن العام وحيادية الدولة. هي ليست راعية للحكام ولا للأحزاب، بل هي صمام أمان لممارسة الحرية السياسية التي دفع السوريون ثمنًا باهظًا جدًا من أجلها.
بعد انتهاء المظاهرة، انطلقت آلة إعلامية ممنهجة على وسائل التواصل الاجتماعي، تمثلت في:
نحن نوجه كلامنا هنا بصراحة لمن يمارسون هذا العبث: في كل الدول المتحضرة يوجد موالاة ومعارضة، وهذا وضع طبيعي جداً وصحي. من يظن أن الحكومة تُدعم بإسكات الأفواه وإرهاب الناس إلكترونياً فهو واهم. أنت حين تتهم المتظاهر السلمي بالفلولية، وتمارس التحريض ضده، فأنت تنتهك مقدسات الثورة، وتسيء للحكومة قبل أن تدعمها. الحكومة التي تحتاج لمثل هذه الأساليب هي حكومة هشة، لا تليق بتضحيات مليون شهيد.
أيها الإخوة، أيها الشعب العظيم، شعب دفع مليون شهيد وتدمرت بلاده بكلفة لا تقل عن 600 مليار دولار. قدمتم هذه التضحيات العظيمة ليكون لكم الحق في أن تعبروا عن رأيكم. لتكون الحرية مقدسة، والتظاهر مقدساً، وإبداء الرأي مقدساً. وألا يقوم أي أحد، مهما كبر وعظم فهمه واشتدت حكمته، بالتفرد بقرار دون الشعب. لا يجوز أن نعطي الشعب "الإذن بالطرش".
منذ أشهر والناس تصرخ من الجوع. منذ أشهر والصناعيون يعانون من كساد وإغلاق. منذ أشهر والاقتصاديون ينادون بأن السياسات فاشلة ومتخبطة. منذ أشهر والصفحات تمتلئ بغضب شعبي من عودة الفلول لتولي مناصب حساسة، وآخرها ما حصل في الشركة السورية للبترول وغيرها من الوزارات والمؤسسات. نريد قوانين. نريد أنظمة. نريد حرية. نريد كل شيء مما وعدت به الدماء.
بعد كل هذا التشريح للمشهد، يبقى السؤال الأهم: ما الحل؟ مشهد اليوم يكشف بوضوح حجم الاحتقان في الشارع السوري، وانقسامه بين فريقين: الفريق الأول، هم مؤيدو الثورة والحكومة، وهم بالملايين. هؤلاء لا يدافعون عن أشخاص، بل عن حلم انتُزع بصعوبة: سورية جديدة خرجت من تحت ركام نظام مجرم. يعملون على حمايتها بكل ما يملكون، رغم وجود بعض الأصوات المتشددة التي ترفض الاعتراف بالأخطاء أو تؤجل أي نقاش حول الإصلاح.
أما الفريق الثاني، فهو من يرى أن الوقت قد حان لتصويب المسار، فيلجأ إلى الاحتجاج والاعتصام للمطالبة بالإصلاح. وهذه المطالب، في جوهرها، محقة ومشروعة. لكن المشكلة ليست في المطالب… بل في السياق. عندما تكون الدعوات لتحريك الشارع صادرة عن جهات مجهولة، فإنها تفقد ثقة الناس وتثير الخوف، حتى لدى من يؤمن بعدالة هذه المطالب. اليوم، الخطر الحقيقي ليس في الاختلاف… بل في تحوّله إلى مواجهة في الشارع.
الحل حضاري وواضح: تشكيل أحزاب سياسية حقيقية بعد صدور قانون الأحزاب. الأحزاب هي الطريق الوحيد لنقل الصراع من الشارع إلى المؤسسات، من الهتاف إلى البرامج، ومن الفوضى إلى صندوق الاقتراع. عبر الأحزاب، يصبح بإمكان أي تيار أن يحاسب، أن يعارض، أن يصل إلى البرلمان، وأن يغيّر السياسات بشكل مشروع وقانوني.
رغم كل ما حدث اليوم، يبقى خطنا الأحمر واضحاً: لا قطرة دم واحدة يجب أن تُراق من أي طرف. نحن بحاجة إلى قانون أحزاب، كضرورة وطنية عاجلة… لإنهاء حالة الاحتقان، ومنع الانزلاق إلى المواجهة، والانتقال إلى مرحلة المحاسبة الحقيقية عبر مجلس الشعب، حيث تُصحَّح الأخطاء وتُعدَّل القرارات. إمّا أن نبني حياة سياسية ناضجة… أو نترك الشارع يقرّر مصيرنا.
هذا المقال ليس دفاعاً عن فئة ضد أخرى، بل هو دفاع عن فكرة أن الخلاص السوري لن يكون إلا بصوت إعلامي مهني، وبأمن محايد، وبثقافة تقبل الآخر السياسي، وبمسار سياسي واضح عبر الأحزاب والانتخابات. نحن أمام مفترق طرق: إما أن نبني دولة المؤسسات والقانون، وإما أن نستبدل "شبيحة الأمس" بـ"شبيحة اليوم" الإلكترونية والأمنية. الطريق معتم، والمصباح الذي بأيدينا يجب ألا نوجهه فقط حيث نرتاح للنظر، بل يجب أن نضيء به كل الزوايا، حتى تلك التي تؤلمنا رؤيتها. ومن يريد أن يحكم، فليحكم عبر الصندوق، لا عبر الشارع. زمان الوصل
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة