تباطؤ تداول العملة الجديدة في سوريا يهدد الاستقرار النقدي وخبراء يقترحون حلولاً عاجلة


هذا الخبر بعنوان "استمرار بطء تداول العملة الجديدة يضغط على مسار الاستقرار النقدي" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل تداخل عوامل تقنية ونقدية وتشغيلية، لا تزال مرحلة الانتقال النقدي في السوق السورية تبحث عن إيقاعها المستقر، وذلك بسبب بطء تداول العملة الجديدة. ورغم الإجراءات التنظيمية المتتابعة، بما فيها تمديد مهلة الاستبدال، يبقى التحدي الأبرز متمثلاً في تسريع طرح العملة الجديدة، خشية انعكاس طول فترة الاستبدال سلباً على الاقتصاد الوطني.
لمواجهة هذه التحديات، يدعو الخبراء إلى مجموعة من الإجراءات التي من شأنها تسريع العملية وتحسين كفاءة الضخ النقدي، وتوسيع قنوات الاستبدال. كما يشددون على أهمية تعزيز الشفافية في إدارة الكتلة النقدية وتطوير البنية المصرفية وأدوات الدفع الإلكتروني، بهدف الحد من الاختناقات والمساهمة في استقرار الدورة النقدية.
وبحسب حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، فقد استبدل المصرف نحو 40 بالمئة من العملة القديمة، التي تُقدّر كتلتها بنحو 42 تريليون ليرة قديمة (ما يعادل 420 مليار ليرة جديدة)، وذلك حتى منتصف الشهر الماضي. وتشير هذه النسبة إلى سحب ما يقارب 16.8 تريليون ليرة قديمة من التداول، وطرح 168 مليار ليرة جديدة لتعويضها، في حال كان حجم الطرح مساوياً لعمليات السحب، كما أشار الحصرية سابقاً. واستناداً إلى تصريحات الحصرية، وفي حال استمرار الوتيرة الحالية، فمن المتوقع أن تستكمل عملية استبدال كامل العملة القديمة خلال نحو ثلاثة أشهر إضافية، ما يضع سقفاً زمنياً تقريبياً بين منتصف وأواخر شهر حزيران المقبل.
حددت التعليمات التنفيذية لأحكام المرسوم رقم (293) لعام 2025، الخاص باستبدال العملة الوطنية، مهلة 90 يوماً للاستبدال. وفي حال التمديد، يصدر حاكم مصرف سوريا المركزي قراراً بذلك قبل 30 يوماً من انتهائها. وقد أصدر حاكم المصرف المركزي قراراً بتمديد مهلة استبدال فئات من العملة القديمة لمدة 60 يوماً إضافية، اعتباراً من 1 نيسان 2026. ويشمل هذا التمديد استمرار استبدال الفئات النقدية المحددة سابقاً، وهي فئات 1000 و2000 و5000 ليرة قديمة، بالإضافة إلى فئات أخرى لم تكن مدرجة ضمن عملية الاستبدال وتشمل 500 و200 و100 و50 ليرة من جميع الإصدارات، وذلك ضمن المهل الزمنية المعتمدة.
يرى نقيب الاقتصاديين محمد البكور، أن محدودية تداول العملة الجديدة تعود إلى أسباب مركبة، منها ما هو تقني ومنها ما يرتبط بأزمة سيولة نقدية، مما أدى إلى “اختناق نقدي مؤقت ناتج عن فجوة زمنية بين سحب القديم وضخ الجديد”. وأوضح البكور لصحيفة الثورة السورية أن الأسباب التقنية تتعلق ببطء عمليات الطباعة والتوريد، وعدم كفاية الكميات التي جرى ضخها في الأسواق منذ بدء عملية الاستبدال والتعايش، وضعف الجاهزية اللوجستية في المصارف (الصرافات الآلية وأنظمة العدّ والفرز)، مشيراً إلى أن البيروقراطية المتبعة في المؤسسات المالية لا تزال من أبرز المشكلات التي تؤثر على سير العملية. أما الأسباب المرتبطة بالسيولة، وفق البكور، فتتعلق بوجود انكماش نقدي حقيقي جراء سحب كميات من العملة القديمة دون ضخ مكافئ وسريع من العملة الجديدة، منوهاً بأن وجود كميات كبيرة من السيولة النقدية التي يحتفظ بها التجار خارج الجهاز المصرفي يؤثر بشكل كبير على سلاسة عملية الاستبدال (ظاهرة التخزين النقدي)، إضافة إلى احتفاظ الأفراد بالنقد بدلاً من إعادة ضخه بسبب تراجع الثقة بالقطاع المصرفي.
من جانبه، نفى حاكم المصرف المركزي، في تصريح سابق لصحيفة الثورة السورية، وجود نقص في كمية الكتلة النقدية للعملة الجديدة، مشيراً في الوقت نفسه إلى وجود تحديات طبيعية تواجه عملية الاستبدال، يعمل المصرف على معالجتها بشكل جذري. وأرجع الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، محدودية تداول العملة الجديدة إلى الاكتفاء بطرح فئات محددة دون استكمال طرح بقية الفئات حتى الآن، ما يمثل إشكالية رئيسة تواجه العملية برمتها، إذ إن طرح الفئات الجديدة بشكل متسلسل يبقي جزءاً من فئات العملة القديمة خارج مسار الاستبدال والتداول. وأوضح المغربل لصحيفة الثورة السورية أن بقاء نسبة كبيرة من الكتلة النقدية للعملة القديمة خارج النظام المصرفي أو محتجزة لدى الأفراد والتجار أدى إلى انخفاض سرعة دوران النقد الجديد في السوق. وشدد المغربل على أن الانتقال من عملة إلى عملة مع تغييرات (حذف صفرين) يخلق بطبيعة الحال فترة حذر نفسي لدى عامة الناس والتجار، خاصة أن الانتقال ترافق بتسعيرتين وتغييرات في التعاملات اليومية بسبب حمل الفرد للعملتين في الوقت نفسه. في حين عزا الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر، محدودية تداول العملة الجديدة إلى أزمة السيولة والقرارات التي صعّبت إجراءات سحب الأموال من البنوك المحلية، إضافة إلى لجوء شريحة من عامة الناس إلى تخزين الأموال في المنازل بدلاً من إيداعها في المصارف بسبب قلة الثقة بالقطاع المصرفي. واعتبر اسمندر خلال حديثه لصحيفة الثورة السورية أن مقومات طرح العملة الجديدة لم تكن مستكملة حينها، إذ طُرحت فئات دون فئات أخرى، ما انعكس سلباً على العملية، إذ لا تتعدى نسبة الاستبدال 30 بالمئة حتى اليوم، رغم انتهاء فترة الاستبدال المهمة والمؤثرة في سير العملية برمتها.
ويهدف تمديد فترة التعايش بين العملتين إلى “ضمان عملية سلسة ومنتظمة، وإتاحة الفرصة أمام جميع المواطنين لاستكمال إجراءات الاستبدال دون أي إرباك”، وفق ما قال الحصرية في تصريح سابق. لكن البكور يرى أن طول فترة الاستبدال يمكن أن يسفر عن تحديات تنعكس سلبياً على الاقتصاد الوطني، في ظل تركة ثقيلة خلفها النظام المخلوع. وأوضح البكور أن التأثيرات السلبية تتمثل بتراجع النشاط الاقتصادي، وانخفاض قدرة الأسواق على إجراء المعاملات النقدية في مجالات النقل والخدمات، والتجزئة، وزيادة تكلفة السيولة وارتفاع التكاليف غير المباشرة، عبر لجوء شريحة معينة إلى بدائل كإجراء تحويلات غير رسمية أو استخدام العملات الأجنبية. في حين اعتبر المغربل أن الأثر السلبي الأبرز يتمثل في إطالة فترة الازدواج النقدي بين العملتين، محذراً من حدوث ارتباك واستغلال في الأسواق، وتراجع قدرة المصرف المركزي على ضبط الكتلة المتداولة وقياس أثر عملية الاستبدال بدقة. وأضاف: إن غياب الحلول وطول الفترة الزمنية يفتحان الباب أمام ظهور سوق موازية للاستبدال، واستغلال البعض لعامة الناس من خلال فرض عمولات على أي عملية استبدال. بدوره، حذّر اسمندر من أن طول فترة الاستبدال قد يضعف ثقة المواطنين والتجار بالعملة الوطنية الجديدة، ويؤدي إلى اعتماد الدولار كعملة أساسية في عمليات البيع والشراء (دولرة الاقتصاد).
يتمثل الحل، بحسب البكور، في تسريع الضخ النقدي لتحقيق توازن بين الكميات المسحوبة وتلك التي جرى ضخها، وتبسيط إجراءات الاستبدال من خلال توسيع نقاط الاستبدال وتقليل القيود والوثائق المطلوبة، وتعزيز الثقة عبر الإعلان عن الكميات المطروحة والمدى الزمني لخطة الاستبدال والكميات التي جرى سحبها وإتلافها من العملة القديمة بشكل رسمي. واقترح البكور أيضاً تفعيل وسائل الدفع الإلكتروني لتخفيف الضغط على النقد وتشجيع التعاملات المصرفية لتقليل الطلب على الكاش. كما شدد على ضرورة تسريع الإجراءات من قبل المصرف المركزي لضمان تجنيب المواطنين والأسواق تكلفة تحمل أي أعباء اقتصادية مباشرة في حال طال أمد الاستبدال. أما المغربل، فيشير إلى أن الحل يكمن في توزيع ونشر فرق متنقلة ونقاط مؤقتة في المدن والبلدات والقرى، وعدم الاكتفاء بنقاط ومراكز الاستبدال الثابتة، إضافة إلى تعزيز شفافية البيانات ومعالجة نقاط الضعف في المناطق الأقل تداولاً للعملة الجديدة. ودعا اسمندر إلى مراقبة مدى التزام مكاتب الصرافة بعملية الاستبدال، وتوفير السيولة اللازمة للسوق، ورفع سقف السحوبات بشكل منظم وتدريجي، وتنظيم ورش توعوية للمواطنين حول أهمية التعامل مع المصارف، ووضع خطة معلنة لإصلاح النظام المالي في البلاد كركيزة أساسية لبرنامج أوسع للإصلاح الاقتصادي.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد