معرض الفنان محمد هدلا في طرطوس: رحلة فنية بين الجداري والفراغي تستلهم تاريخ المدينة وجمالها


هذا الخبر بعنوان "أفتتاح معرض الفنان محمد هدلا في طرطوس ..تنويع تقني جداري وفراغي.. لوحات ومنحوتات مميزة.." نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: أديب مخزوم
شهدت مدينة طرطوس مؤخراً افتتاح معرض فني جديد للفنان محمد هدلا في مقهى تقاسيم، ضم 71 لوحة صغيرة و13 منحوتة صغيرة، تميزت بتنوعها في المواد والتقنيات. يمثل هذا المعرض أحدث عطاءات الفنان الفردية، حيث يبرز بقوة الأشكال المتخيلة بحساسيات مختلفة، وصولاً إلى تقديم منحوتات ملونة بأسلوب غير مألوف في معارض الفنانين، مما يعزز من حوارية الرؤى البصرية أثناء التنقل بين اللوحة والمنحوتة.
يظل المشهد البحري حاضراً بقوة في بعض لوحاته المعروضة، كما تتنوع وتتداخل عناصره ورموزه، مثل العازفات والوجوه والأجساد والورود والبيوت القديمة، في سعي حثيث لإيجاد إيقاعات جمالية جديدة. هذه الإيقاعات فرضتها، بشكل غير مباشر، أحلام وتخيلات مراحله العمرية المتعاقبة، وما ترسخ في وجدانه من رؤى وتخيلات وعناصر رمزية وإيحائية مستمدة من مشاهداته وتأملاته كونه ابن مدينة طرطوس القديمة.
من هذا المنطلق، لا يمكن تحليل لوحاته ومنحوتاته الجديدة، التي أنجزت خلال السنوات الست الأخيرة، دون العودة إلى معطيات ثقافته البصرية التي ينتمي من خلالها إلى المناخ اللوني المتوسطي. هذا المناخ ظل يبحث عنه منذ بداياته في عودته الدائمة إلى بحر طرطوس، وإلى مراكبه الراسية والمسافرة والمترقبة للسفر، إذ شكلت رموز مدينته البحرية بالنسبة إليه المنطلق، وكونت ثوابت خطه الفني التصاعدي والخاص، ومصدر إيحاءات الرؤى الفنية الحديثة التي تمنح لوحاته قدرة على التجدد والاستمرار.
في أعماله الجدارية والفراغية، يجهد الفنان محمد هدلا في جلسات عمله الطويلة لإعادة دورة التاريخ والحضارات، مؤكداً استمرارية الأحلام والتصورات والتخيلات. فسورية، رغم مرارة الأحداث، تبقى قادرة على التجدد والانبعاث واستعادة دورها الحضاري المشرق كجسر يصل الشرق بالغرب. وهكذا يعود محمد هدلا في معرضه الجديد حاملاً إلينا رؤيته المتجددة، المنطلقة من الماضي الحضاري السحيق والمتجهة نحو الحاضر والمستقبل، ليؤكد من جديد أن الحرب يمكن أن تغتال كل شيء إلا الأحلام والقدرة على الانبعاث في كل مرة كطائر الفينيق من بين الرماد، والارتباط بالماضي الحضاري الذي صنعته ملكات وأميرات الزمن الغابر في شرقنا العربي والسوري، وتحديداً الساحل الفينيقي.
يؤكد الفنان رغبته في التفاعل مع بقايا معطيات الأزمنة الغابرة، المستوحاة من علاقته المزمنة مع البقية الباقية من جمالية آثار وعمارة مدينة طرطوس القديمة المبنية من الحجر الرملي، وفي مشاهدات المعابد وبقايا القلاع والإشارات والرموز المختلفة الدلالات والتفسيرات. كل ذلك بإيقاعات وجدانية تصل بالأشكال المرسومة إلى خصوصية وأسلوبية خاصة ومميزة ومستقلة.
منذ أعماله الأولى، اتجه محمد هدلا لاستعادة معطيات ورموز التاريخ الحضاري القديم في طرطوس وأرواد، مؤكداً قدرته على تحويل الحكاية الميثولوجية إلى لغة تشكيلية معاصرة. يكمن الثابت في برنامجه اليومي في إيجاد حالة من العلاقة الحيوية التي تربط بين تداعيات الماضي ومعطيات الحاضر وتوليفة المستقبل، معتمداً على الحوار اللوني الرصين والعفوي في آن واحد. فاللوحة هنا هي فسحة للتأمل أو لبلورة الروح الجمالية لشاعرية الحكاية القادمة من عمق الأزمنة الغابرة والمنسية، حيث يستعيد الوجوه والعناصر القديمة بأشكالها المختلفة، وكل ذلك يوحي بتداخل الأزمنة في خطوات التفاعل مع هذا الحلم الشرقي، القادم من تأملات مدينة طرطوس القديمة المعانقة للموج والأفق والمدى البحري، التي لا تزال، رغم تفاقم حالات الغربة التي نعيشها، حية في نفوسنا وذاكرتنا.
تشكل لوحاته الجديدة امتداداً لأعماله التي عرضها في مراحل سابقة، مع حضور بعض الفروقات في توليف العناصر التاريخية المتفاوتة ما بين الواقعية والتعبيرية. فهو يرسم المشاهد الأثرية والوجوه والعناصر، ويعمد إلى إضافة مواد وتقنيات جديدة وعناصر كولاجية، ومن هنا تأتي الحساسية الشاعرية والقوة الأدائية في لوحاته الجديدة والسابقة أيضاً. يعتمد الفنان على مبدأ الانحياز نحو الاختصار والاختزال في استعادة معطيات ماضي مدينته العريق، من أجل الوصول إلى حالة متداخلة بين المرئي والمحسوس. فالتخيلات الحاضنة لبعض عناصر التراث المعماري تتحول، على سبيل المثال، من حالة إلى حالة، في ظل الاقتراب أو الابتعاد عن الصياغة الواقعية. فهو لا يقدم لوحة توثيقية أو تاريخية، وإنما يميل نحو الصياغة التعبيرية التي تحافظ على قدر من الحرية والعفوية في معالجة ملامح الأشكال أو المشاهد. أحياناً أخرى، يزاوج بين مؤشرات اللونية التجريدية في الخلفيات التي تحمل كثافة لونية، وبين عناصر اللوحة التعبيرية كما في لوحات العازفات، حيث لا فواصل ولا حدود هنا بين حضور ملامح الأشكال وبين غيابها في تجريد خلفيات اللوحة.
وهكذا نستطيع الحديث عن اختراق المظهر السطحي للأشكال المرسومة في خطوات البحث عن التركيب الفني والتشكيلي. ومن خلال هذا التداخل بين مؤشرات الأشكال الواقعية والعناصر التشكيلية واللونية والتجريدية في الخلفيات، يصل إلى إيقاعات إشارية ورمزية أحياناً، تغلب عليها لغة التلميح القادر على الإيحاء بعمق وغنى وحيوية معطيات الحضارات القديمة. لقد أفاده سفره إلى باريس كثيراً، وجولاته في بعض متاحفها وصالاتها، في الاطلاع والانفتاح على أمور فنية كثيرة، دفعته أكثر فأكثر باتجاه إلغاء المنظور التقليدي واستبداله بالتكوين الفني المفتوح من الطرفين أفقياً وعمودياً، لإيجاد حالات جماليات بصرية حديثة. فالمهم بالنسبة إليه أنه يستعيد إشارات المشهد أو الموضوع بالارتداد إلى الداخل ليخرجه من حيز صمته وليجدده أو يستنطقه بالبوح الانفعالي المباشر، ولهذا تتدرج الحركة العاطفية صعوداً وهبوطاً عبر تدرجات الحالة اللونية، من تلك التي تتجه نحو التلقائية من خلال اللمسات المتتابعة والكثيفة، إلى المساحات الهادئة التي يغلب عليها الأداء العقلاني، وبذلك فهو ينسج علاقة مزدوجة بين الأداء اللوني والملامح الهندسية المقروءة في الأشكال المعمارية القديمة.
ثقافة
سوريا محلي
ثقافة
ثقافة