الاقتصاد السوري: تحديات إعادة الإعمار الضخمة ومساعي الانفتاح الدولي


هذا الخبر بعنوان "الاقتصاد السوري بين أولويات التعافي وتحديات إعادة الإعمار" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تركز الحكومة السورية جهودها على إعادة دمج البلاد في النظامين السياسي والاقتصادي العالميين، في مسعى لإنهاء عقود من العقوبات والعزلة. ورغم تأكيد المسؤولين على تجاوز المرحلة الأصعب، لا تزال سوريا تواجه تحديات هيكلية عميقة ناجمة عن حرب استمرت 14 عاماً، والتي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والإسكان والطاقة والصناعة والزراعة والاتصالات.
استراتيجية الحكومة والتموضع الدولي
يؤكد الرئيس أحمد الشرع التزام الدولة بإعادة ترسيخ موقع سوريا على الساحة الدولية. وخلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في الـ17 من نيسان، شدد على أن توجه السياسة الخارجية يقوم على التوازن والحياد، وتسعى سوريا لتكون جسراً بين القوى الكبرى بدلاً من الانحياز إلى أي تكتل. كما أشار إلى تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا والصين والدول الأوروبية، مع التركيز على الابتعاد عن الصراعات والتوجه نحو الاستثمار والتعاون الاقتصادي.
تكلفة إعادة الإعمار
تشكل إعادة الإعمار التحدي الأكبر أمام الاقتصاد السوري. ووفق تقرير البنك الدولي الصادر في تشرين الأول الماضي بعنوان “تقييم الأضرار المادية وإعادة الإعمار في سوريا (2011–2024)”، تُقدَّر تكلفة إعادة بناء سوريا وفق أفضل تقدير متحفظ بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع عام 2024. وأوضح التقرير أن هذه التكاليف تتوزع على القطاعات الرئيسية، حيث تبلغ تكلفة البنية التحتية (الطاقة والنقل والمياه) نحو 82 مليار دولار، والإسكان 75 مليار دولار، والمباني غير السكنية 59 مليار دولار، مشيراً إلى أن محافظتي حلب وريف دمشق تحتاجان إلى النسبة الأكبر من استثمارات إعادة الإعمار.
وذكر التقرير أن الحرب ألحقت أضراراً بنحو ثلث إجمالي رأس المال السوري قبل عام 2011، حيث قُدِّرت الأضرار المادية المباشرة للبنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية بنحو 108 مليارات دولار. وبيّن أن البنية التحتية كانت الأكثر تضرراً، إذ شكلت 48% من إجمالي الأضرار (52 مليار دولار)، تلتها المباني السكنية (33 مليار دولار)، والمباني غير السكنية (23 مليار دولار). وأفاد التقرير بأنه من حيث إجمالي الأضرار، كانت محافظات حلب وريف دمشق وحمص الأكثر تعرضاً للضرر، وتوقع أن تتراوح تكاليف إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة بين 140 و345 مليار دولار.
تخفيف العقوبات وإعادة الانخراط الدبلوماسي
ساهم الحراك الدبلوماسي السوري في رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية، ما أسفر عن تحسين الآفاق الاقتصادية. كما أدى إلغاء قانون “قيصر” إلى إزالة أبرز العوائق أمام الاستثمار الأجنبي، ما ساهم في تحسين البيئة القانونية والمالية لعمليات إعادة الإعمار. وبدأ الاتحاد الأوروبي مؤخراً اتخاذ خطوات نحو تطبيع العلاقات، حيث أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس هذا الأسبوع، أن المفوضية الأوروبية اقترحت استئناف اتفاقية الشراكة مع سوريا الموقعة عام 1978، في مؤشر على توجه دولي نحو إعادة دمج سوريا تدريجياً في الاقتصاد العالمي.
الإصلاحات المالية والدعم الدولي
تعمل الحكومة السورية على تنفيذ إصلاحات تهدف إلى إعادة بناء المؤسسات المالية، واستعادة الاستقرار الاقتصادي، بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وفي هذا الإطار، خصص البنك الدولي منحة بقيمة 146 مليون دولار لقطاع الطاقة، وأخرى بقيمة 200 مليون دولار لتمويل مشاريع البنية التحتية للسكك الحديدية، إضافة إلى منحة بقيمة 20 مليون دولار لتعزيز الحوكمة المالية العامة.
السياسة المالية وآفاق الموازنة
قال وزير المالية محمد يسر برنية، خلال جلسة حوارية لمعهد الشرق الأوسط في واشنطن هذا الأسبوع: إن الحكومة ورثت عن النظام البائد مؤسسات ضعيفة وقدرات إدارية محدودة، ونظاماً مالياً شبه معطل يتسم بالفساد وضعف الشفافية. وأوضح أن الحكومة تركز على إعادة بناء البنية التحتية، واستعادة الخدمات الأساسية، وتجنب التمويل النقدي للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي. ورغم هذه التحديات، سجلت سوريا فائضاً في الموازنة عام 2025، في مؤشر على الانضباط المالي. وفي المقابل تتوقع الحكومة عجزاً يتراوح بين 1.8 و2 مليار دولار في عام 2026، مع زيادة الإنفاق على القطاعات الاجتماعية، مثل التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية. وأوضح الوزير أن الإنفاق الاجتماعي يشكل نحو 40% من الموازنة، مشيراً إلى رفع الحد الأدنى للأجور من 17 إلى 110 دولارات.
بناء الثقة والإصلاح المؤسسي
تعدّ إعادة بناء الثقة بين الدولة والقطاع الخاص أولوية رئيسية، بعد سنوات من تراجع هذه العلاقة. حيث يؤكد الوزير برنية أن الحكومة تعمل على تعزيز صنع السياسات التشاركية، من خلال إشراك قطاع الأعمال والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، بهدف تحسين الشفافية والمساءلة.
استراتيجية المصرف المركزي والاستقرار النقدي
يلعب مصرف سوريا المركزي دوراً محورياً في استعادة الاستقرار الاقتصادي للبلاد، التي ورثت نظاماً نقدياً مجزأ يعاني من نقص حاد في السيولة، وغياب إطار فعال للسياسة النقدية. وأوضح حاكم المصرف عبد القادر الحصرية، أن العمل جار على إعادة بناء أدوات السياسة النقدية، وتحديث أنظمة الدفع، واستعادة الربط المالي الدولي، بما في ذلك إعادة الانضمام إلى نظام “سويفت”. وأطلق المصرف خطة استراتيجية للفترة 2026–2030، تركز على إعادة بناء المؤسسات والمواءمة مع المعايير الدولية. كما انخفض معدل التضخم من 117% إلى نحو 15%، رغم احتمال تعرضه لضغوط جديدة نتيجة الصدمات الخارجية، في وقت تركز فيه السياسات على تحقيق استقرار الأسعار، والحد من مخاطر الركود التضخمي.
المخاطر الإقليمية
رغم محدودية تأثير التوترات الإقليمية التي سببها التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على سوريا، إلا أنها تفرض مخاطر غير مباشرة عبر ارتفاع أسعار الطاقة. ومع بحث العالم عن ممرات بديلة بعد إغلاق مضيق هرمز، تبرز أهمية موقع سوريا كممر محتمل لأنابيب الطاقة، حيث بدأت دمشق نقاشات إقليمية حول مسارات آمنة لسلاسل التوريد، إضافة إلى بدء تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية.
الإمكانات الاقتصادية وآفاق الاستثمار
تدخل سوريا مرحلة حاسمة من التعافي، حيث بدأت نتائج رفع العقوبات والإصلاحات المؤسسية والاستقرار بإعادة تشكيل مسارها الاقتصادي. وتتوزع الفرص الاستثمارية على قطاعات عدة، منها نقل الطاقة وإعادة الإعمار والزراعة والموارد الطبيعية. كما تبرز مبادرات إقليمية مثل نقل النفط العراقي إلى موانئ المتوسط، ومشاريع تطوير قطاعات النقل والربط اللوجستي بين سوريا والأردن وتركيا، كدليل على الدور الاقتصادي الاستراتيجي المحتمل لدمشق. ورغم التحديات، ينظر المستثمرون الدوليون إلى سوريا بشكل متزايد كسوق واعدة عالية الإمكانات، ومع استمرار الإصلاحات والدعم الدولي وتحسن الحوكمة، تمتلك البلاد فرصاً متزايدة لتعزيز دورها الإقليمي.
سياسة
اقتصاد
سياسة
اقتصاد