الإصلاح المالي في سوريا: الزنبركجي يؤكد أنه ليس وصفة جاهزة بل مسار معقد يتطلب أولويات متكاملة


هذا الخبر بعنوان "لا يمكن أن يكون وصفة جاهزة.. مسار الإصلاح المالي في سوريا بين الأولويات والتعقيد" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بدأ مسار الإصلاح المالي في سوريا بعد التحرير كضرورة اقتصادية ملحّة ومستدامة لبلد يعاني من استنزاف اقتصادي وتدمير مؤسساتي وقانوني، بالإضافة إلى تفشي الفساد الإداري والدمار المادي الذي طال البنى التحتية، والمنظومة المصرفية، والأنظمة الضريبية المتهالكة. كما أثر انقطاع العلاقات مع المنظمات المالية العالمية، مثل البنك الدولي وغيرها، على الوضع، مما جعل الشروع في ثورة إصلاحات مالية أمراً جوهرياً ومحتوماً. يبقى السؤال حول مسار هذه الثورة الإصلاحية المالية وأولوياتها وانعكاساتها.
في هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر، مهند الزنبركجي، أن المشكلة في سوريا ليست مالية بحتة، بل هي مزيج من الانهيار المؤسساتي والتشوهات العميقة في الاقتصاد، يرافقها نقص الخبرة في إدارة الملف الاقتصادي وبيئة غير مستقرة. لذلك، فإن أي تصور جاد للإصلاح لا يمكن أن يكون وصفة جاهزة تطبق كما هي، بل هو عملية متكاملة تبدأ باستعادة الحد الأدنى من قدرة الدولة على إدارة نفسها.
وكما يبين الزنبركجي في حديث لـ"الحرية"، فإن التجارب التي تُستحضر عادة في هذا السياق، سواء عبر توصيات صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، توضح خطوطاً عريضة يمكن تلخيصها بأنه لا يمكن إصلاح المالية العامة دون استقرار نقدي، ولا يمكن تحقيق الاستقرار النقدي دون قدر من الثقة بالمؤسسات.
يرى الاقتصادي الزنبركجي أن البداية الحقيقية تكون من محاولة كسر الحلقة المفرغة بين التضخم وانهيار العملة والعجز المالي. وهذا على عكس ما حدث في سوريا، حيث تم تمويل العجز عبر التوسع النقدي (أي طباعة العملة بشكل مباشر أو غير مباشر)، والذي كان أحد المحركات الأساسية لتآكل القوة الشرائية. لذلك، فإن أول تحول جوهري يجب أن يحدث هو تغيير طريقة تمويل الدولة لنفقاتها. وهذا لا يعني وقف الإنفاق فجأة، بل إعادة ضبطه ليصبح أقرب إلى الموارد الحقيقية، مع تقليل الاعتماد على التمويل التضخمي. يتطلب هذا المسار، في الوقت نفسه، إعادة بناء دور البنك المركزي ليكون جهة تضبط الاستقرار بدلاً من أن يكون أداة تمويل، وهي مسألة تقنية ظاهرياً لكنها في العمق سياسية لأنها تمس طريقة اتخاذ القرار داخل الدولة.
لا يُخفي الزنبركجي أنه بمجرد أن يبدأ قدر من الاستقرار النقدي بالظهور، تبرز العقدة الثانية المتمثلة بالمالية العامة نفسها. فالدولة في سوريا، شأنها شأن العديد من الدول التي مرت بصراعات، فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على الجباية، وفي المقابل ما زالت تتحمل أعباء إنفاق ضخمة وغير فعالة. هنا، لا يكون الحل الواقعي هو "زيادة الضرائب" ببساطة، لأن الاقتصاد منهك أصلاً، بل إعادة بناء النظام الضريبي ليكون أوسع وأعدل وأكثر قابلية للتحصيل. وهذا يعني الانتقال من اقتصاد غير رسمي واسع إلى اقتصاد يمكن تتبعه جزئياً على الأقل، وتقليل الامتيازات غير المعلنة التي تخلق فجوات كبيرة في الإيرادات. وبالتوازي، يجب إعادة النظر في بنية الدعم، خصوصاً دعم الطاقة، ولكن بطريقة تدريجية جداً، لأن أي رفع سريع -كما حدث- أدى مباشرة إلى صدمة اجتماعية هائلة.
يتابع الزنبركجي قائلاً: في العمق، لا يمكن فصل هذه الخطوات عن مشكلة أكبر تتعلق بطبيعة الاقتصاد نفسه. فالاقتصاد السوري لم يعد اقتصاداً إنتاجياً، بل تراجع نحو أنشطة منخفضة القيمة أو ريعية. لذلك، لن ينجح الإصلاح المالي إذا بقيت القاعدة الإنتاجية ضعيفة. ما تحتاجه البلاد هنا ليس فقط استقراراً مالياً بل إعادة توجيه الموارد نحو قطاعات قادرة على خلق دخل حقيقي، مثل الزراعة والأهم، الصناعات الصغيرة والمتوسطة. وهذا يتطلب إزالة الكثير من القيود البيروقراطية التي تعيق النشاط الاقتصادي، وتوفير حد أدنى من الأمان القانوني للمستثمرين المحليين قبل أي حديث عن استثمارات خارجية.
حسب وجهة نظر الاقتصادي، فإن المسألة المصرفية تضيف طبقة أخرى من التعقيد أيضاً، فالنظام المصرفي في سوريا ضعيف ومحدود الارتباط بالعالم، ومع ذلك هو عنصر أساسي لأي تعافٍ اقتصادي. لذلك، فإن إعادة تأهيل هذا القطاع لا تعني فقط ضخ أموال فيه، بل معالجة مشكلة الثقة أولاً، ابتداءً من ثقة المودعين بالبنوك، وعودة ثقة الشركات بالبنوك من جهة التمويل. بدون هذه الثقة، سيبقى الاقتصاد نقدياً، مما يحد من فعالية أي سياسة مالية أو نقدية. وإعادة بناء هذه الثقة غالباً ما تكون بطيئة، وتعتمد على الاستقرار العام وعلى شفافية أكبر في إدارة القطاع.
ومن الأساسيات التي تحدث عنها الزنبركجي مسألة إعادة الإعمار، التي غالباً ما يُنظر إليها كحل سحري، لكنها في الواقع سيف ذو حدين. فإذا تمت بطريقة غير مدروسة، يمكن أن تتحول إلى مصدر جديد للفساد وتركيز الثروة، بدلاً من أن تكون محركاً للنمو. أما إذا ما تم ربطها بسياسات واضحة تخلق فرص عمل وتدعم الإنتاج المحلي، وتصبح جزءاً من الحل، لكن هذا مشروط بوجود بيئة قانونية ومؤسساتية تسمح بمنافسة حقيقية وتحد من الاحتكار.
ويرى الخبير الزنبركجي أن ما يجعل الحالة السورية أكثر تعقيداً من تجارب أخرى، مثل لبنان أو العراق، هو تداخل العوامل الداخلية مع القيود الخارجية، سواء كانت عقوبات أو عزلة اقتصادية نسبية. هذا يعني أن هامش المناورة أقل، وأن الاعتماد على الموارد الذاتية يصبح أكثر أهمية، حتى لو كان محدوداً.
ويختتم الاقتصادي الزنبركجي بالقول: إن الإصلاح المالي في سوريا ليس مساراً تقنياً يمكن تلخيصه في حزمة إجراءات جاهزة، بل عملية سياسية واقتصادية طويلة. يبدأ بتحقيق حد أدنى من الاستقرار، يمر بإعادة بناء أدوات الدولة المالية والنقدية ثم يتوسع نحو إعادة تنشيط الاقتصاد الحقيقي. الأولويات ثم الأولويات ثم الأولويات هي أهم تسلسل في التنفيذ، يعتمد كل عنصر فيه على نجاح العنصر الذي قبله، بدون هذا التسلسل، تتحول الإصلاحات إلى قرارات متفرقة وعشوائية، لا تغير الاتجاه العام، وهو ما شهدته دول كثيرة حاولت الإصلاح دون أن تعالج جذور المشكلة. (نقلاً عن الحرية).
سوريا محلي
اقتصاد
ثقافة
اقتصاد