إعدام أمجد يوسف: جدل حقوقي حول العدالة الانتقالية وتسليم المطلوبين في سوريا


هذا الخبر بعنوان "ماذا يقول الحقوقيون عن إعدام أمجد يوسف؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عقب اعتقال أمجد يوسف، المتهم بتنفيذ ما بات يُعرف بـ”مجزرة التضامن”، تصاعدت المطالبات الشعبية السورية بتطبيق حكم الإعدام بحقه، قصاصًا على وحشية قتل الضحايا. إلا أن حقوقيين بارزين قدموا رؤية مغايرة، محذرين من أن تنفيذ عقوبة الإعدام قد يعرقل مسار العدالة الانتقالية، ويؤثر سلبًا على استكمال التحقيقات، أو يدفع دولًا للامتناع عن تسليم مطلوبين لديها بسبب قوانينها الداخلية التي تحظر ذلك.
اشتهر يوسف بعد تحقيق نشرته صحيفة “الجارديان” عام 2022، كشف عن تفاصيل مجزرة مروعة ارتكبتها قوات النظام السوري المخلوع في 16 من نيسان 2013، بحي التضامن في دمشق. أسفرت المجزرة عن مقتل 41 شخصًا ودفنهم في مقبرة جماعية، وشهدت تطميش أعين الضحايا واقتيادهم إلى حفرة في حي التضامن، ثم إطلاق الرصاص عليهم، أمام عدسة كاميرا هاتف أحد الجنود الذين كانوا برفقة يوسف، الذي بدا متفاخرًا بفعله.
فجر يوم الجمعة 24 من نيسان، استيقظ السوريون على نبأ ضجت به وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بدءًا من اللقطات الأولى التي أظهرت يوسف في سيارة تابعة للأمن الداخلي السوري، محاطًا بالعناصر، لكنه بدا ثابتًا لا يوحي بأي ندم. مشاهد “المجزرة” التي انتشرت على نطاق واسع عام 2022، وأنكرها النظام السابق حينها، لا تزال حية في ذاكرة السوريين، الذين استعادوها في وقفة قبل نحو أسبوع، في ذكراها السنوية، بالمكان الذي نفذ فيه يوسف ورفاقه فعلتهم. وقبل يوسف، كانت القوات الحكومية قد ألقت القبض على اثنين من المتهمين بالمجزرة، وفق ما أعلنه مدير الأمن في دمشق، المقدم عبد الرحمن الدباغ، للوكالة السورية الرسمية للأنباء (سانا)، في 17 من شباط 2025.
تتضمن القوانين السورية الحكم بالإعدام، خاصة في جرائم القتل، سواء الفردية أو الجماعية. وأكد الباحث المتخصص في العدالة الانتقالية، منصور العمري، أن أحكام الإعدام ليست محظورة في القانون الدولي. وأشار، في حديث إلى عنب بلدي، إلى وجود آراء حقوقية دولية معارضة للإعدام، تقود هذه الجهود منظمة “العفو الدولية”. وتعتبر منظمة “العفو الدولية” عقوبة الإعدام انتهاكًا لحقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص الحق في الحياة والحق في عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وترى المنظمة الحقوقية أن الإعدام عقوبة نهائية لا يمكن تداركها، ولا يمكن أبدًا استبعاد خطر إعدام شخص بريء.
من جانبه، يرى الحقوقي المعتصم الكيلاني أن المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة أمر مشروع وضروري، خاصة عندما تكون هناك أدلة موثقة على إعدامات ميدانية وانتهاكات خطيرة. بالمقابل، فإن اختزال العدالة بعقوبة الإعدام وحدها يطرح إشكاليات كبيرة، خصوصًا في سياق العدالة الانتقالية، بحسب ما أشار إليه الكيلاني في حديث إلى عنب بلدي. وقال الكيلاني إن العدالة الانتقالية لا تقتصر على معاقبة الأفراد، بل تهدف إلى كشف الحقيقة كاملة، وتفكيك منظومات الانتهاكات، وضمان عدم التكرار. في هذا الإطار، قد يؤدي تنفيذ حكم الإعدام إلى إغلاق مسارات مهمة، مثل الحصول على معلومات إضافية حول سلاسل القيادة، أو تحديد مسؤوليات أعلى، أو كشف مصير ضحايا آخرين. وعلى مستوى الآثار، فإن اعتماد عقوبة الإعدام ضمن قانون العدالة الانتقالية قد يثير جدلًا واسعًا، سواء داخليًا أو دوليًا، بحسب ما يراه الكيلاني. وأشار إلى أن الكثير من التجارب المقارنة تُظهر أن الاقتصار على العقوبات القصوى دون بناء مسار شامل للحقيقة والمساءلة والمصالحة، قد يحدّ من فعالية العملية برمتها.
نوه الحقوقي الكيلاني إلى ضرورة كسب الدعم الدولي، وتعزيز التنسيق القانوني، وتأمين التمويل والدعم لمسارات العدالة الانتقالية، وكذلك تسهيل التعاون في تسليم المتهمين. ومن أجل ذلك، يقترح إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالسجن المؤبد، دون أي إفراج مشروط، وهو ما يراه خيارًا أكثر انسجامًا مع المعايير الدولية، ويزيد من فرص الانخراط الدولي الفعّال في هذه المسارات. وسبق أن كشف رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف، خلال جلسة في حلب في 13 من نيسان الحالي، حضرتها عنب بلدي، أن الهيئة تعمل على قانون العدالة الانتقالية، والذي يتضمن إقرار عقوبة الإعدام. ما كشفه عبد اللطيف حينها جاء ردًا على سؤال يتعلق بالضغوطات التي تمارسها الدول على الهيئة. أشار حينها إلى أن بعض الدول عرضت على الهيئة إلغاء عقوبة الإعدام، بغرض المساعدة ولإمكانية تسليم المطلوبين إلى سوريا، من رموز النظام الفارين. وأكد عبد اللطيف أن القانون ينتظر العرض على مجلس الشعب (يتوقع أن تنعقد الجلسة الأولى في بداية أيار المقبل) لإقراره لاحقًا.
الباحث في العدالة الانتقالية، منصور العمري، قال إن تضمين عقوبة الإعدام في قانون العدالة الانتقالية سيدفع دولًا كثيرة، منها أوروبية، لرفض تسليم المتهمين في أوروبا مثلًا، إن كان هناك احتمال تعرضهم لعقوبة الإعدام. ولكن، يمكن التفاهم على التسليم إذا تعهدت الحكومة السورية بعدم الحكم بالإعدام، أو تنفيذه، وفق ما أوضحه العمري. وبحسب مقال للمتخصص بالعدالة الانتقالية، العمري، على موقع “مبادرة الإصلاح العربي”، فإن ألمانيا لا تسلم المطلوبين إذا كانت الجريمة يعاقب عليها بعقوبة الإعدام بموجب قانون الدولة الطالبة. ولا يجوز، في القانون الألماني، التسليم، إلا إذا قدمت الدولة الطالبة ضمانة بعدم فرض عقوبة الإعدام أو عدم إنفاذها. وفي السويد، يحدد قانون تسليم المجرمين عددًا من الحالات التي لا يجوز فيها التسليم، منها: “عدم جواز الحكم على الشخص الذي يتم تسليمه بعقوبة الإعدام بسبب الجريمة”.
لا يعتقد الباحث العمري أنه سيتم محاكمة أمجد يوسف، قبل صدور قانون العدالة الانتقالية. وأوضح أنه متورط بـ”جرائم حرب” و”جرائم ضد الإنسانية”، مشيرًا إلى أن القانون السوري لا ينص على هذه الجرائم. ويرى أن من واجب القضاء السوري انتظار قانون العدالة الانتقالية. وبحسب ما ذكره رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد اللطيف، خلال الجلسة الحوارية في حلب في 13 من نيسان الحالي، فإن وزارة العدل تتمهل في الحكم على العديد من رموز النظام السابق، ريثما يصدر القانون، عقب إقراره من مجلس الشعب. وسبق أن طالب الحقوقي العمري، في تقرير سابق لـ عنب بلدي، بإيقاف أي محاكمات بحق المتهمين من رموز النظام السابق، ريثما يناقش القانون الحالي. ودعا حينها إلى تعديل القانون أو تشكيل محكمة هجينة تعتمد القانون الدولي والوطني، ويتضمن نظامها الداخلي “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية”، لحماية الحقوق والعدالة الانتقالية بتعريفها الواسع.
من جانبه، قال الحقوقي المعتصم الكيلاني إن العدالة الأوسع تتطلب مزيجًا من المحاسبة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وليس فقط العقوبة القصوى. لذلك، يرى أنه من الأجدى النظر إلى هذه القضية كمدخل لكشف شبكة أوسع من المسؤوليات، بدل الاكتفاء بمعاقبة منفذ مباشر، مهما كانت خطورة الجرم المرتكب. وقد علّق العميد عبد الباسط عبد اللطيف، رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبر “إكس” قائلًا: “القبض على أمجد يوسف المتهم بارتكاب مجزرة التضامن خطوة مفصلية على طريق العدالة. هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وحقوق الضحايا لا تُنسى. المساءلة قادمة، والعدالة ماضية حتى النهاية.”
كشف رئيس الهيئة الوطنية عبد الباسط عبد اللطيف، أيضًا خلال الجلسة الحوارية، عن جلسة محاكمة علنية مرتقبة لابن خالة الرئيس السوري المخلوع، عاطف نجيب، الذي تسلم إدارة الأمن العسكري خلال فترة انطلاق الثورة السورية، والمتهم بالتسبب بإشعال شرارتها عبر اعتقال عدد من الأطفال وتعذيبهم. وعرضت وزارة العدل تسجيلات مصورة تظهر جانبًا من التحقيق مع نجيب، إلى جانب شخصيات بارزة، منها وسيم الأسد، أحد أبناء عمومة الرئيس المخلوع، والمفتي السابق أحمد حسون، ووزير الداخلية الأسبق محمد الشعار، والرئيس الأسبق لإدارة المخابرات الجوية إبراهيم حويجة. وانتشرت إشاعة عقب عرض هذه المقاطع بصدور حكم الإعدام بحق هؤلاء المتهمين، وهو ما نفته وزارة العدل في 2 من تشرين الأول 2025. وقال المكتب الإعلامي في وزارة العدل حينها إن الأسماء المذكورة لا تزال قيد التحقيق والمحاكمة، ولم يصدر بحقها أي حكم قضائي حتى تاريخه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة