تحول في الاستراتيجية السعودية بلبنان: الرياض تعزز شراكتها مع بري وتدفع لإحياء «الترويكا» كشرط للاستقرار والمفاوضات


هذا الخبر بعنوان "السعودية تعقد شراكة كاملة مع رئيس المجلس: إحياء «الترويكا» شرط لأي توافق يتعلق بالدولة والمفاوضات" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت الاتصالات المحيطة بلبنان تطوراً بارزاً دفع المراقبين إلى إعادة النظر في العديد من الأمور. هذا التطور يرتبط بحركة سعودية لافتة، لم تقتصر على زيارة الموفد يزيد بن فرحان إلى لبنان التي استمرت لنحو يومين، بل سبقتها اتصالات قادتها السعودية بالتنسيق مع مصر وفرنسا. واللافت في هذه التحركات أن الرياض قررت بناء استراتيجية طارئة في لبنان، ترتكز على تفاهم أساسي مع الرئيس نبيه بري، في خطوة تعكس تحولاً تكتيكياً في الإدارة السعودية لملف لبنان، بما في ذلك مراجعة لأدائها خلال الفترة التي تلت انتخاب الرئيس جوزيف عون. وعلمت «الأخبار» أن السعودية تدرس دعوة الرئيس بري إلى زيارة الرياض، سواء لأداء العمرة أو لأي غرض آخر، لكنها ترغب في عقد اجتماع خاص له مع ولي عهد السعودية محمد بن سلمان وكبار المسؤولين هناك. ويبدو أن السعودية تجري اتصالات مع الجانب الأميركي أيضاً، بهدف رفع مستوى التواصل مع الرئيس بري، باعتباره الوحيد الذي يناقش الأمور بصراحة مع حزب الله، ولديه تأثير مزدوج داخل السلطة وخارجها.
قد تبدو الأهداف السعودية غريبة بعض الشيء لدى كثيرين من أنصارها في لبنان، إذ إنها لم تعد تضع في رأس أولوياتها القضاء على حزب الله، لكنها لم تقتنع بعد بأن الحزب يجب أن يكون شريكاً كاملاً في التسويات الداخلية. وتنظر السعودية إلى التوازنات التي تحكم لبنان كعنصر مركزي يستند إلى مخرجات اتفاق الطائف، سواء لناحية نصوصه أو لناحية الأعراف التي سادت خلال العقود الثلاثة الماضية. ولأن السعودية تخشى انهياراً سياسياً وأمنياً في لبنان جراء الانقسام الحاد، فقد وجدت أن التفاهم الأولي يجب أن يتم مع رئيس المجلس النيابي، انطلاقاً من سؤال طرحته الرياض قبل أسبوعين: هل صحيح أن حزب الله يستعد للانقلاب على السلطة داخلياً ربطاً بنتائج الحرب مع إسرائيل؟ بري، الذي تربطه علاقة جيدة مع السعوديين، كان قد أرسل يحذرهم من مخاطر «سياسة الإقصاء» التي يتعرض إليها الشيعة في الدولة ومؤسساتها. ورغم أنه لا يكنّ كثيراً من الود لرئيس الجمهورية، والذي يبادله الشعور نفسه، فإن بري كان شديد القلق من السياسات التي يتبعها رئيس الحكومة نواف سلام، وقد ناقش هذا الأمر مع السعودية، انطلاقاً من أن الرياض تعتبر نفسها المرجعية الوصية على رئاسة الحكومة وعلى سلام نفسه.
المحصلة التي سبقت زيارة بن فرحان، كانت قد ظهرت في نتائج الزيارة التي قام بها النائب علي حسن خليل إلى السعودية قبل مدة. وما تبين هو أن السعودية سمعت من موفد رئيس المجلس نفياً قاطعاً لوجود أي نية لدى الشيعة في لبنان، أو لدى حزب الله للقيام بأي عمل داخلي. ولكن بري لفت انتباه الجانب السعودي إلى أن الاستقرار الذي تريده الرياض في لبنان، لا يستقيم في ظل السياسات المتبعة من قبل حلفاء المملكة في لبنان، سواء ما يتعلق بملف التفاوض مع إسرائيل أو في طريقة إدارة الدولة. من جانبها، وجدت السعودية أن الفرصة باتت مؤاتية لإعادة تنظيم الأمور، وهي برغم أنها لا تعارض المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، إلا أنها تفضل أن تكون الخطوة محمية بغطاء وطني داخلي، مع إشارة تحتاج إلى تدقيق، ومفادها أن الرياض لا تحبذ ذهاب لبنان بعيداً في التسوية مع إسرائيل، وأن الأمر يحتاج إلى انتظار وترقب لنتائج الحرب بين أميركا وإيران، وما سوف ترسو عليه المنطقة في المدة المقبلة. ولذلك، كان للسعودية دورها في الحد من اندفاعة الرئيس عون نحو التواصل مع رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، ثم تلا ذلك قرار سعودي بترتيب الأمور مباشرة في لبنان، وهو ما كان الهدف الأول لزيارة بن فرحان إلى بيروت.
يزيد بن فرحان، الذي لم يقطع تواصله الدائم مع جميع المرجعيات السياسية اللبنانية ليُعطي توجيهاته في المشهد العام، بدا في هذه الزيارة على أهبة الاستنفار للتأكيد على أن بلاده هي اللاعب الأساسي في الساحة اللبنانية، بعدما توجست خطر جر بيروت إلى محور آخر. وبالتالي، لا يمكن عزل هذه الزيارة عن مسار المفاوضات المباشرة مع العدو، بل أتت أساساً لتنفيس اندفاعة عون في الذهاب إلى أبعد من مفاوضات تهدد المنطقة وتغير وجهها، والأهم تقويض دور الدول الخليجية فيها. بالنسبة إلى غالبية من التقوا بن فرحان، فإن هناك تصوراً واضحاً لدى مصر والسعودية لاتخاذ خطوات تكبح الهجوم الذي تقوده إسرائيل في المنطقة، دون الدخول في محور مع إيران. لكن بن فرحان حرص على القول إن بلاده «تريد علاقة ممتازة مع إيران»، ملمحاً في أكثر من مجلس إلى «التنسيق الدائم مع طهران» مشيراً إلى «وجود تقاطعات بينهما في الملف اللبناني». ويتكل بن فرحان على دور إيراني لتحصين الوحدة في لبنان، معتبراً أن طهران أدت دوراً في الأسبوعين الماضيين، وهو ما تبدى في مواقف قيادات حزب الله.
وبناءً عليه، وسّع بن فرحان من دائرة لقاءاته على مدى اليومين الماضيين، فزار الرؤساء عون وبري وسلام، إضافةً إلى رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وقائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، وعدد من الكتل النيابية والنواب: كفيصل كرامي على رأس وفد من تكتل التوافق الوطني، وعبد الرحمن البزري وفؤاد مخزومي.. كما التقى أيضاً قادة الأجهزة الأمنية. بن فرحان تعمد الحديث عن «العلاقة الجيدة» مع إيران، وإعادة تكرار موقف بلاده الرافض لأي خلافات تؤدي إلى مشكلة داخلية. وبحسب المعلومات، فإن الموفد السعودي كان حاسماً في التعبير عن قناعته بأهمية «تريث الدولة اللبنانية في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وعدم الاستعجال»، مشدداً على «ضرورة التوافق الوطني قبل المضي بأي خطوة»، وقدّم الرجل «الوصفة السعودية» لما يعتبره حماية الاستقرار الداخلي ومصالح لبنان، بضرورة تحرير الأراضي المحتلة مقابل حصر السلاح بيد الدولة.
وبالنسبة إلى ابن فرحان، فالأساس هو «ألا تؤثر هذه المفاوضات على توتير الأجواء الداخلية»، ما دفعه إلى الحديث عن «أهمية التوافق بين الرؤساء الثلاثة على جميع الخطوات، والتوحد حولها، ورفض التفرد بالرأي من أي جهة كانت»، مؤكداً أكثر من مرة أن «التوافق بين اللبنانيين هو الحل للوصول إلى بر الأمان»، إضافةً إلى ضرورة تطبيق كافة مندرجات اتفاق الطائف، باعتباره المنقذ الوحيد لمصير اللبنانيين. ولاحظ زوار بن فرحان أن الأخير بدا في هذه المرة يشدد على ضرورة تطبيق الطائف كاملاً أكثر من أي مرة سابقة، ولا سيما إشارته إلى عدم إغفال تنفيذ أي بند من بنوده.
ويلفت الزوار إلى تشديد الموفد السعودي على عدم الانجرار إلى تقاتل داخلي يقسم لبنان، ليصير لقمة سائغة بأيدي الخارج، ويصير من المستحيل الحديث مع أي قسم أو التوصل إلى اتفاق موحد. وكرر في لقاءاته قوله «إننا أمام فرصة تاريخية ليكون هناك توافق داخلي، كما استعادة الأرض مقابل السلاح». وفهم منه أن بلاده ترفض أي محاولة لنزع السلاح بالقوة. لكن الأهم، كان في أن بن فرحان طلب من رئيس الحكومة التخلي عن «معارضته الشكلية» للاجتماع المباشر مع الرئيسين عون وسلام، بحجة أنه لقاء غير دستوري وأنه يعيد إحياء الترويكا، ما فتح الباب أمام لقاءات مرتقبة على صعيد الرؤساء الثلاثة من أجل التوصل إلى تفاهمات تنعكس داخل مجلس الوزراء.
وإذا كان بن فرحان لم يطرح أمر أي تعديل حكومي في ظل الوضع الحالي، فإنه شدد على تمسكه ببقاء الحكومة الحالية، كما حماية رئيس الحكومة، مؤكداً أن «السراي خط أحمر». وهي الجملة التي أعادها في جميع لقاءاته، قبل أن يضيف إليها أن «الرئاسات الثلاث خط أحمر لا يجب المساس بهم». وكان لافتاً الحديث المتكرر عن دور بري وحنكته، وهو الذي التقاه، بحسب المعلومات، لمرتين خلال 24 ساعة، قبل أن يفتح تواصلاً مباشراً من عين التينة، بين رئيس مجلس النواب ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان. وعليه، لم يترك الموفد السعودي مناسبة إلا وتحدث فيها عن دور بري «الضامن»، والتعبير عن الأجواء المريحة التي خرج بها من الزيارتين، والتفاهم بينهما على رؤيتهما لمعظم الملفات. ونصح الرئيسين عون وسلام بالحفاظ على علاقتهما مع بري، ساعياً إلى فتح الباب أمامهما لعقد لقاءات مباشرة معه خلال الأيام المقبلة.
وتشير المعلومات إلى أن بن فرحان ركز على ضرورة حماية الاستقرار، وهو ما تظهر خلال لقاءاته مع قادة الأجهزة الأمنية ومدير المخابرات العميد طوني قهوجي. وفي هذا الإطار، تشير المعلومات إلى أن الموفد السعودي كان واضحاً بضرورة تأطير المواقف السياسية المعلنة، ورفضه لأي حديث يؤجج الفتنة ويسعر الخطاب الطائفي، كما طلب مباشرةً من جعجع ومخزومي خفض الخطابات التصعيدية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة